قرية التوائم في الإسماعيلية.. مجتمع صغير تحكمه “الازدواجية الجميلة” وتتشكل ملامحه بين الوراثة والعادات - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قرية التوائم في الإسماعيلية.. مجتمع صغير تحكمه “الازدواجية الجميلة” وتتشكل ملامحه بين الوراثة والعادات - تواصل نيوز, اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 03:46 مساءً

في قلب الإسماعيلية، وبين الحقول الممتدة التي يختلط فيها اللون الأخضر بصفرة الشمس، تستقر منطقة أبو عطوة، تلك القرية التي تحولت بمرور الوقت إلى نموذج استثنائي داخل المجتمع الريفي المصري، ليس لكونها مميزة في زراعتها أو تاريخها، بل لأنها تحمل لغزًا إنسانيًا يستحق التأمل: الارتفاع اللافت في حالات إنجاب التوائم بين عائلاتها. ومع أن مصر تضم عشرات القرى تختلف في عاداتها ولهجاتها وأنماط معيشتها، فإن ما يحدث في هذه القرية يضعها في خانة خاصة تجعلها محط اهتمام الباحثين والزائرين على حد سواء، وكأنها حالة اجتماعية مستقلة لها قواعدها وأبعادها التي لا تتكرر كثيرًا.

تباين الآراء حول الظاهرة

وعلى الرغم من أن حياة الناس في القرية تسير بوتيرة هادئة، إلا أن الزائر يدرك سريعًا أن وجود التوائم ليس مجرد حكاية تُروى أو موجة إعلامية عابرة، بل واقع يومي تلمحه في تفاصيل الحياة: طفلان متشابهان يتناولان الإفطار أمام المنزل، وفتاتان متشابهتان تساعدان والدتهما في مهام الصباح، وأم تحمل رضيعين بين ذراعيها بسلاسة معتادة، وأب يقف أمام متجره ويشير بفخر إلى صور أبنائه التوأم المعلقة على الحائط. هذه المشاهد، التي قد يراها سكان المدن نادرة أو مدهشة، لا تحمل أي قدر من الغرابة بالنسبة لأهالي القرية، وكأنها جزء من الجينات الثقافية قبل أن تكون جزءًا من الجينات البيولوجية.

المؤسسة الفلسطينية للشباب والرياضة تبارك لمديرها بولادة حفيدتيه التوأم

وعند محاولة الاقتراب من سر هذه الظاهرة، تتباين الآراء وتتداخل التفسيرات، لكن معظمها يدور حول فكرة واحدة: **أن ما يحدث هنا هو نتيجة تفاعل معقد بين الوراثة والعادات الاجتماعية**. فالعلاقات العائلية الممتدة، التي تتشابك عبر أجيال متتابعة، تجعل خصائص معينة – مثل الميل إلى التبويض المتعدد – تنتقل وتتكرر بين النساء في الأسرة الواحدة. وتروي إحدى السيدات أن والدتها كانت توأمًا، وأن خالتها أنجبت توأمًا مرتين، وأنها هي الأخرى رُزقت بتوأم في حملها الأول دون أي تدخل طبي. مثل هذه الحكايات تتكرر كثيرًا، وتضيف بعدًا وراثيًا قويًا يصعب تجاهله.

وفي المقابل، يرى البعض أن نمط الحياة في القرية، بما يحمله من ارتباط بالأرض والحركة والنشاط البدني، إضافة إلى اعتماد الأسر على الغذاء التقليدي، قد يلعب دورًا في تحسين الصحة الإنجابية عمومًا. ومع أنه لا يوجد دليل علمي قاطع يؤكد هذا الجانب، فإن الأهالي أنفسهم يميلون إلى ربط الظاهرة بـ“بركة العيشة”، كما يصفونها، معتبرين أن البساطة والخير في الحياة الريفية ينعكسان على خصوبة النساء. وبين العلم والمعتقد الشعبي، تتسع المساحة التي تتحرك فيها إجابات الأهالي حول سر التوائم، بينما يظل الأمر بالنسبة لهم نعمة قبل أي شيء آخر.

كثرة التوائم في القرية 

ومع كثرة حالات التوائم في القرية، لم يكن من الممكن أن يمر الأمر دون تأثير مباشر على المؤسسات التعليمية. ففي بعض مدارس أبو عطوة، أصبح مشهد وجود أكثر من زوج من التوائم في الفصل الواحد أمرًا معتادًا، حتى أن إدارات المدارس باتت تضطر إلى تسجيل ملاحظات دقيقة حول التلاميذ لتسهيل التفريق بينهم. ويروي أحد المعلمين أن بعض التوائم يتمتعون بقدرات دراسية متقاربة إلى حد كبير، ما يجعل التمييز بينهم ليس فقط شكليًا، بل أكاديميًا أيضًا، بينما تختلف بعض الأزواج من التوائم تمامًا في الاهتمامات والسلوكيات رغم تشابه الملامح.

‫سيدة تضع 3 توائم داخل أحد المستشفيات بالمنوفية‬‎

على الجانب الاجتماعي، خلقت الظاهرة نوعًا من التضامن غير المعلن بين الأسر، وكأن وجود التوائم ليس مجرد تحدٍ وإنما تجربة مشتركة توحّد الأهالي في مواجهة احتياجات مضاعفة. فالأمهات يتبادلن النصائح حول الرضاعة والنوم والتعامل مع التوأم، والعائلات تتشارك الملابس والأدوات، ما يجعل التجربة أقل عبئًا مما قد تبدو عليه من الخارج. ومع ذلك، لا يخفي البعض أن مصاريف تربية طفلين في وقت واحد تمثل تحديًا اقتصاديًا حقيقيًا، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار، لكن روح التكافل الاجتماعي تساعد في تجاوز الكثير من هذه الصعوبات.

وعلى مدى سنوات، شكّل اهتمام وسائل الإعلام عاملًا إضافيًا في نشر قصة القرية، إذ أصبحت أبو عطوة مقصدًا للكاميرات والبرامج التي تبحث عن ظواهر مدهشة. يرى بعض الأهالي أن هذا الاهتمام لعب دورًا إيجابيًا في تسليط الضوء على منطقتهم، بينما يشعر آخرون بأن ظاهرة التوائم تضخمت إعلاميًا بصورة أكبر من حجمها الحقيقي، إذ إن القرية رغم تميّزها لا تزال مجتمعًا بسيطًا يسير بإيقاعه الطبيعي، دون أن ينشغل كثيرًا بما يُكتب عنه أو يُصوّر حوله.

ظاهرة تستحق البحث

ورغم تعدد الأوجه، يبقى السؤال المطروح: **هل يمكن للقرية أن تصبح نموذجًا بحثيًا في المستقبل؟**
من الناحية العلمية، تشير تجارب دول أخرى إلى أن المناطق التي تشهد ارتفاعًا غير معتاد في معدلات التوائم يمكن أن تقدم معلومات مهمة للباحثين في مجالات الوراثة والغدد الصماء والصحة الإنجابية. وإذا ما خضعت أبو عطوة لدراسة منهجية تشمل تتبع السجلات الطبية والعائلية، وتحليل الخلفيات الوراثية، ودراسة العوامل الصحية والبيئية، فقد تقدم إجابات عن أسئلة أعمق تتجاوز حدود القرية نفسها.

لكن بعيدًا عن المختبرات والبيانات، تظل **قرية التوائم** حالة إنسانية تحمل الكثير من الجمال والتكرار المحبب الذي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية. ففي كل بيت حكاية، وفي كل عائلة ذكرى، وفي كل شارع طفلان يسيران بمحاذاة بعضهما وكأنهما ظل واحد. وربما يكون هذا هو سر القرية الحقيقي: أنها لا تبحث عن تفسير لما يحدث داخلها، لأنها – ببساطة – اعتادت أن ترى الحياة بنسختين.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق