تكرار جلالة الملك عبد الله الثاني لكلمة «المياه» ثلاث مرات خلال افتتاح الدورة البرلمانية، يسلط الضوء على أهمية ملف الأمن المائي في الأردن. وهو تأكيد واضح على أن حق الأردنيين في المياه لا يمكن أن يكون رهناً لأي ضغوط أو ظروف خارجية، ما يجعل الأمن المائي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والسيادة السياسية خاصة في منطقة تتسم بتوترات حول الموارد المائية.
مشروع الناقل الوطني ودوره في تعزيز الأمن المائي الأردني
تأتي أهمية هذا الملف في ظل التوترات التي شهدتها العلاقات الأردنية الإسرائيلية بشأن إمدادات المياه، حيث أشارت تقارير دولية إلى ربط تجديد اتفاق تزويد الأردن بالمياه لعام 2021 بشروط سياسية، منها تحسين الخطاب الأردني تجاه إسرائيل. وهذه التطورات تسلط الضوء على خطورة اعتماد دولة تعاني أساساً من ندرة في المياه على مصادر خارجية متقلبة ومحل تفاوض سياسي.
الأمن المائي جزء من السيادة الوطنية
لا يقتصر الأمن المائي على توفر المياه أو تكلفة الحصول عليها، بل يرتبط بقدرة الدولة على ضمان استمرار الإمدادات دون خضوع لحسابات أخرى أو مساومات. ولذلك، يكتسب مشروع الناقل الوطني الذي يعتمد على تحلية مياه البحر الأحمر في العقبة ونقلها إلى عمّان أهمية استراتيجية تتجاوز كونه مشروعاً للبنية التحتية، إذ يشكل عاملاً محورياً في إعادة بناء منظومة الأمن المائي وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية.
التحديات المالية والفنية للمشروع
العقود الماضية شهدت تقييمات للمشروع من وجهة نظر تنموية ومالية، مع التركيز على كلفة الاستثمار الكبيرة ومتطلبات الطاقة والتحديات التشغيلية. ورغم أهمية هذه الاعتبارات، فإن تقييم جدواه لا يمكن أن يقتصر على الجانب المالي فقط. فحين تصبح المياه عنصراً أساسياً لاستقرار الدولة، يجب حساب ما يوفره المشروع من أمان للإمدادات وتقليل الضغوط الخارجية على الاقتصاد.
توجيه نحو الاعتماد المحلي على المياه المحلاة
يهدف الناقل الوطني إلى إنتاج حوالي 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً، ما يغطي نحو 40% من احتياجات المملكة من مياه الشرب. ومن خلال هذا المشروع، يسعى الأردن إلى توسيع قاعدته المحلية لتوفير المياه، والتقليل من الاعتماد على الإمدادات الخارجية. وعلى الرغم من أن الاعتماد الخارجي لن ينتهي بالكامل، فإن المشروع يمنح المملكة هامشاً أكبر لحماية أمنها المائي وتقليل تعرّضها للضغوط السياسية.
الحوكمة المؤسسية كركيزة للاستقلال الاستراتيجي
النجاح في إدارة مشروع بهذا الحجم والطبقة الفنية والمالية يتطلب مؤسسات قوية قادرة على التخطيط والتنفيذ والرقابة، بالإضافة إلى إدارة الموارد بكفاءة وعدالة. ولهذا، تتقاطع قضايا الأمن المائي مع موضوع الحوكمة، إذ يمكن للنقص في إدارة المال العام وكفاءة الإنفاق أن يضر بتحقيق الاستقلال الاقتصادي والاستراتيجي المنشود.
صلة التأكيد الملكي بمساءلة المسؤولين
تزامن التركيز الملكي على الأمن المائي مع الدعوة إلى مساءلة المسؤولين ومكافحة استغلال المناصب يعكس ارتباط حماية الموارد الوطنية بقدرة الدولة على إدارة مؤسساتها بفعالية. فالسيادة تقتضي قدرات اقتصادية ومؤسسية لتحويل القرارات الاستراتيجية إلى إنجازات عملية ومستدامة.
درس أردني في الاقتصاد السياسي للمياه بالمنطقة
يمثل التوجه الأردني نحو تعزيز الأمن المائي عبر مشاريع مثل الناقل الوطني نموذجاً يتجاوز المملكة، في ظل تصاعد تأثيرات التغير المناخي وتداخل النزاعات على الموارد مع السياسة في المنطقة. إذ لم يعد من الممكن الاعتماد على حسن النوايا الإقليمية فقط لاستمرارية تدفق المياه. وتسريع تنفيذ هذا المشروع يعد خطوة أساسية لتقليل نقاط الضعف وتعزيز استقلال القرار الوطني في ملف المياه، فالجغرافيا قد تفرض قلة الموارد، لكنها لا يجب أن تفرض التبعية السياسية لمن يملك مفاتيح الإمداد.
