السياسة السعودية تجاه اليمن مرت بتحولات تاريخية متعددة، انطلقت من أيديولوجية التوسع الإقليمي التي تبنتها الدولة السعودية الأولى في شبه الجزيرة العربية، والتي ارتبطت بخطاب ديني يسعى لنشر الدعوة الوهابية. هذا التوجه اعتبر المجتمعات خارج نطاق هذه الدعوة بحاجة إلى إخضاع عسكري وديني، مما أدى إلى سلسلة من الغزوات في ظل صراع مع الدولة العثمانية والقوى المحلية.
مسار السياسة السعودية في اليمن بين التوسع والتدخل
في بداية القرن العشرين، تحولت العلاقة بين السعودية واليمن إلى نزاع بين مملكتين، مملكة المتوكل واليمن والسعودية الناشئة. بدعم بريطاني لعب دوراً رئيسياً في تمكين ابن سعود، توجهت السعودية إلى تنفيذ أطماعها في اليمن، حيث أدت الحرب التي شنّها الطرفان عام 1934 إلى ضم السعودية أجزاء من الأراضي اليمنية التاريخية.
تأثير السياسة البريطانية والعداوات الإقليمية
ارتبطت الاستراتيجية السعودية في تلك الفترة بالسياسات البريطانية في شبه الجزيرة العربية، حيث انضمت السعودية إلى المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة. وقفت المملكة ضد الجمهوريات والحركات القومية والتقدمية والاشتراكية، وسعت لمواجهة الثورة الجمهورية في اليمن التي أكدت التغيرات السياسية في المنطقة.
التحكم الداخلي بدلاً من الغزو العسكري
مع الطفرة النفطية السعودية، تحولت السياسة تجاه اليمن بعد عام 1970 من احتلال الأراضي إلى التحكم من الداخل عبر بناء شبكة من القوى المحلية المدعومة بالأموال والتوجيهات السعودية. تحققت هذه السيطرة من خلال دعم قوى تقليدية كانت ترى في الحفاظ على أنظمتها التسلطية مصلحة مشتركة مع الرياض، خاصة في مواجهة مشروع بناء دولة مؤسسات كما حدث مع الرئيس إبراهيم الحمدي.
الوحدة اليمنية ومواجهة الحزب الاشتراكي
في ظل تدفق النفط، مولت السعودية شبكات نفوذ بين القيادات السياسية والعسكرية والقبلية اليمنية، باستثناء الحزب الاشتراكي اليمني الموجود في جنوب اليمن الديمقراطي. وعند تحقيق الوحدة عام 1990، حاولت الرياض إقناع علي سالم البيض بالتراجع عن الوحدة، لكنها تعاونت مع الولايات المتحدة وعلي عبد الله صالح وابن الأحمر لإقصاء الحزب الاشتراكي في حرب 1994، مما أدى إلى بقاء نظام سياسي مختلط بين السلطة المحلية والوصاية الخارجية.
أعباء القرن الحادي والعشرين وتأزم العلاقات
مع دخول القرن الحالي، تأثرت السياسة السعودية تجاه اليمن بسبب تغير البنية الاجتماعية والسياسية هناك، ما جعل أدوات النفوذ التقليدية أقل فاعلية. استمر التدخل السعودي حتى تسبب في صراع مفتوح بين البلدين عام 2015، ترافق مع ضربات متكررة للبنية التحتية السعودية، وتدهور صورة المملكة دولياً، فضلاً عن تصاعد الضغط داخل الأسرة الحاكمة.
ضرورة استقرار اليمن ومصالح الرياض الاقتصادية
لم تعد السعودية تستفيد من استمرار اليمن دولة ممزقة وضعيفة، تتناحر فيها التشكيلات المسلحة وتتداخل فيها التوترات الإقليمية والدولية. مع طموحات المملكة في تنويع اقتصادها وتحديث قطاعات الإنتاج، باتت الحاجة ماسة لجوار مستقر، ودولة يمنية موحدة تمارس سيادتها على كامل أراضيها وتنظم علاقاتها الخارجية، لضمان الأمن والمصلحة المشتركة.
تكلفة عسكرة اليمن على المملكة
يقود استمرار سياسة التسليح والدعم للجماعات المسلحة إلى استنزاف السعودية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، حيث يتحول اليمن إلى مصدر دائم للتهديد وعدم الاستقرار على حدودها. تتجاوز كلفة هذه السياسة المجالات التي كانت تحققها الرياض في السابق، مما يفرض ضرورة إعادة النظر في علاقاتها الإقليمية، خاصة مع اليمن.
