المزة... حين تتحوّل الاستهدافات إلى رسائل غامضة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المزة... حين تتحوّل الاستهدافات إلى رسائل غامضة - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026 06:13 صباحاً

في دمشق، لا تُقاس الرسائل دائماً بحجم الدمار الذي تُخلّفه، بل أحياناً بقدرتها على التكرار من دون تفسير. ما يجري في حي المزة ينتمي إلى هذا النوع من الإشارات: أفعال محدودة، متفرقة ظاهرياً، لكنها تعود دائماً إلى المكان نفسه، وفي زمن واحد تقريباً، وبأدوات تتبدّل من دون أن يتبدّل معناها.

 

هنا، لا يفرض الحدث نفسه كصدمة واحدة، بل كتراكم بطيء يفرض طرح سؤال مختلف: لماذا المزة؟ ولماذا الآن؟ ولماذا بهذا الشكل تحديداً؟

 

الصواريخ ليست بداية الحكاية، بل ذروتها الحالية. إذ قبل أن يظهر الكاتيوشا على سطح المشهد، كانت المزة قد استقبلت إشارات أقلّ ضجيجاً وأوضح معنى: عبوات ناسفة محدودة التأثير انفجرت في الحي ومحيطه، كاختبار صامت يقول إن الثغرة موجودة وإن الوصول ممكن. ثم تلى ذلك، في توقيت قريب، إطلاق نار كثيف في محيط القصر الرئاسي - حادثة قصيرة زمنياً، لكنها ثقيلة دلالياً - انتهت من دون رواية تُغلقها أو تفسير يشرحها.

 

هذا التسلسل هو ما يجعل الانتقال إلى الصواريخ مفهوماً: تصعيد متدرّج في الأداة كلما بقيت الدائرة السابقة مفتوحة، وكأن الفاعل يرفع مستوى الصوت خطوة خطوة ليثبت الحضور، مختبِراً حدود الضبط، وكذلك يترك الباب موارباً يسمح في مرحلة لاحقة بالانتقال إلى أسلوب جديد إذا لم تُنهَ الظاهرة.
عندما سقطت أولى صواريخ الكاتيوشا في المزة، في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بدت كأنها انتقال واعٍ من أدوات صامتة إلى أدوات أعلى صوتاً، من فعل يمكن إنكاره أو تأطيره كحادث محدود، إلى فعل لا يمكن تجاهله. أُطلقت الصواريخ من منصة متحركة بدائية الصنع، في منطقة مدنية مكتظة، وأُعلن لاحقاً أن الجهات المختصة تمكنت من تحديد موقع الإطلاق عبر دراسة زوايا السقوط. ومع ذلك، توقفت الرواية الرسمية عند هذا الحد، وبقي الفاعل مجهولاً.

 

الأهم أن هذا الهجوم لم يبقَ حدثاً منفرداً. فبعد أقل من شهرين، عادت الصواريخ لتسقط في المزة مجدداً، لكن هذه المرة في أكثر من نقطة وفي توقيت متقارب: قرب المزة 86، وفي محيط مزة الفيلات حيث تقطن شخصيات محسوبة على الصف الأول في السلطة الجديدة، وفي محيط مطار المزة. هنا يصبح الترابط بين العبوات الأولى، وإطلاق النار، ثم الصواريخ المتكررة، ترابطاً دلالياً لا زمنياً فقط. نحن أمام مسار يتصاعد خطوة خطوة، لا لأن الجهة المنفذة تريد التصعيد العسكري، بل لأنها ترفع مستوى الرسالة كلما لم تُغلق الدائرة السابقة.

 

عادت الصواريخ لتسقط في المزة مجدداً. (الإخبارية السورية)

عادت الصواريخ لتسقط في المزة مجدداً. (الإخبارية السورية)

 

اختيار المزة، في هذا السياق، ليس تفصيلاً. فالحي ليس مجرد منطقة سكنية مكتظة، بل مساحة مركّبة اجتماعياً وسياسياً وديبلوماسياً. فيه أحياء شعبية كثيفة، ومناطق تسكنها شخصيات نافذة، ومقار ديبلوماسية، ومواقع عسكرية وأمنية، إضافة إلى قربه من مطار المزة، بما يحمله من رمزية مضاعفة. استهداف المزة يعني استهداف نقطة تتقاطع فيها رسائل الداخل والخارج في آن واحد، ما يجعلها، عملياً، صندوق رسائل مثالياً لأي جهة تريد أن تقول شيئاً من دون أن تكتبه.

 

في هذا الإطار، تبرز مفارقة يصعب تجاهلها: في أول هجوم صاروخي، أعلنت وزارة الدفاع أنها تمكنت من تحديد موقع إطلاق الصواريخ عبر دراسة زوايا السقوط، وعثرت على منصات بدائية الصنع. ومع ذلك، بقي الفاعل مجهولاً، وبقيت التحقيقات مفتوحة، ثم تكررت الاستهدافات لاحقاً في المنطقة نفسها. هنا، لا يعود الغموض مجرد نقص في المعلومات، بل يصبح جزءاً من المعادلة نفسها، سواء كان مقصوداً أم مفروضاً.

 

هذا الغموض يفتح الباب أمام مجموعة من الخيارات التحليلية، من دون ترجيح حاسم لأيٍّ منها. هناك فرضية تنظيمات متطرفة، مثل "داعش"، تسعى إلى إظهار قدرتها على العمل في قلب العاصمة، لكن نمط الاستهداف الصامت، وغياب التبني، وتجنّب العمليات الدموية الواسعة، يجعل هذه الفرضية أقل إقناعاً، أو على الأقل غير مكتملة.

 

هناك أيضاً احتمال فصيل محلي متمرّد، يمتلك مطالب أو غايات محددة، ويستخدم أدوات بدائية لإيصال رسائل ضغط، من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. هذا السيناريو ينسجم مع طبيعة الأدوات المستخدمة، ومع الانتقال التدريجي في التكتيك، لكنه يبقى بدوره مفتوحاً على أسئلة كثيرة.

 

وتبرز فرضية أخرى لا يمكن تجاهلها، تتعلق بإرسال رسائل ضغط سياسية أو أمنية على خلفية ما يجري تداوله عن ترتيبات أو تفاهمات تتصل بمطار المزة، بما في ذلك الحديث عن وجود أو إنشاء قاعدة أميركية. في هذا السيناريو، لا تكون الصواريخ موجهة ضد هدف بعينه، بل ضد مسار سياسي كامل، ويصبح اختيار المكان والتوقيت محاولة لقول إن بعض الخطوط لا يمكن تجاوزها من دون ثمن.

 

وهنا يطفو سؤال أكثر إرباكاً، قد يكون مستبعداً، ولكن لا يمكن إسقاطه تماماً: ماذا لو كان الفاعل من داخل بنية السلطة نفسها، أو من هوامشها القريبة؟ ليس بوصفه قراراً مركزياً، بل كفعل تقوم به شبكات أو أفراد يملكون معرفة بالمكان وبحدوده الأمنية، ويسعون إلى توجيه رسائل داخلية، أو تصفية حسابات، أو فرض توازنات جديدة في لحظة انتقالية لم تستقر قواعدها بعد. في مثل هذه الحالات، لا يكون الغموض فشلاً في الكشف، بل أداة لحماية توازنات هشة، أو لتأجيل انفجارها إلى وقت آخر.

 

إلى جانب ذلك، يطرح بعض المراقبين احتمال وجود فصيل معارض لحكومة الرئيس أحمد الشرع، يعمل بسرية، ويسعى إلى إحراج السلطة الجديدة، أو التشكيك بقدرتها على ضبط العاصمة، عبر عمليات محدودة، متكررة، يصعب تصنيفها كحرب، ولا يمكن تجاهلها كحوادث عابرة.

 

بين هذه الاحتمالات جميعها، يبقى الثابت أن ما يجري في المزة يتجاوز سؤال الفاعل المباشر، ليصل إلى سؤال أعمق: ماذا يعني أن تتكرر الاستهدافات في المكان نفسه، وبأدوات متغيّرة، فيما تبقى الرواية الرسمية معلّقة؟ في مثل هذه الحالات، لا يكون الفعل الأمني وحده هو الرسالة، بل يصبح الصمت الذي يرافقه جزءاً منها. والمزة، حتى الآن، ليست ساحة معركة، بل مساحة اختبار، تُقاس فيها التوازنات، وتُختبر فيها حدود السيطرة، في مرحلة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق