واشنطن وإدارة التفوق: حين يُصاغ أمن الشرق الأوسط على مقاس إسرائيل وتتآكل الشراكات العربية - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
واشنطن وإدارة التفوق: حين يُصاغ أمن الشرق الأوسط على مقاس إسرائيل وتتآكل الشراكات العربية - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026 07:22 صباحاً

لم تعد الفجوة بين الرؤية المصرية والرؤية الإسرائيلية في قضايا الأمن الإقليمي ناتجة فقط عن اختلاف التقديرات أو تباين المصالح المباشرة، بل باتت انعكاسًا مباشرًا لطبيعة الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في إدارة صراعات المنطقة، عبر سياسة تقوم على ضمان التفوق الإسرائيلي المطلق، حتى وإن جاء ذلك على حساب شركاء استراتيجيين لها في العالم العربي، وفي مقدمتهم مصر.

تتعامل واشنطن مع الشرق الأوسط من زاوية شبه مغلقة، تختزل الإقليم كله في معادلة واحدة: أمن إسرائيل بوصفه أولوية تتقدم على كل الاعتبارات الأخرى. هذه المقاربة لا تفتح أفقًا لتوازن إقليمي عادل، بقدر ما تؤسس لعلاقات غير متكافئة، تُفرض فيها معادلات القوة من الأعلى، بينما تُهمَّش المخاوف الأمنية والسياسية لدول عربية محورية، يُفترض نظريًا أنها "حلفاء".

في ملف غزة، يظهر هذا الخلل البنيوي بوضوح صارخ، فالدعم الأمريكي غير المشروط للرؤية الإسرائيلية، القائمة على نزع السلاح الكامل والتعامل مع القطاع كمسألة أمنية مجردة، يتجاهل عمدًا الأبعاد الإنسانية والسياسية، كما يتجاهل التداعيات المباشرة على الأمن القومي المصري. فغزة، بالنسبة للقاهرة، ليست مجرد شريط جغرافي محاصر، بل عقدة أمنية وسياسية وإنسانية تمس الحدود، وتؤثر في التوازنات الإقليمية، وفي استقرار سيناء تحديدًا. ومع ذلك، تُدار الضغوط الأمريكية وكأن مصر طرف هامشي مطلوب منه التكيّف مع النتائج، لا شريكًا له مصالح مشروعة يجب أخذها في الحسبان.

المعادلة ذاتها تتكرر في لبنان، حيث تُطرح مسألة نزع السلاح خارج أي إطار لتسوية سياسية شاملة، وبمنطق أمني انتقائي يتجاهل هشاشة الدولة اللبنانية وتعقيد بنيتها الداخلية. أما في سوريا، فتُستخدم العناوين نفسها: تحجيم النفوذ، نزع السلاح، وإعادة هندسة المشهد الأمني، دون رؤية حقيقية لإعادة بناء الدولة أو الحفاظ على وحدتها، بل وفق اعتبارات تصب في نهاية المطاف في خانة أمن إسرائيل وحدها.

من هنا، تتسع الفجوة بين الرؤية المصرية التي تنطلق من مفهوم الأمن الجماعي والاستقرار طويل الأمد، وبين الرؤية الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، القائمة على التفوق العسكري الدائم وإدارة الأزمات بدل حلّها. فالقاهرة ترى أن فرض نزع السلاح دون حلول سياسية عادلة يخلق فراغات خطيرة، ويغذي دور الفاعلين من غير الدول، ويدفع المنطقة نحو انفجارات مؤجلة، بينما تراهن واشنطن وتل أبيب على أن التفوق بالقوة كفيل بفرض "الهدوء"، ولو كان هشًا ومؤقتًا.

هنا تتجلى بوضوح ازدواجية المعايير الأمريكية، فهي تطالب دول المنطقة بضبط النفس والالتزام بالقانون الدولي، بينما تمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا وعسكريًا مفتوحًا لتجاوز هذا القانون ذاته. تدعو إلى شراكات استراتيجية، لكنها تُفرغ هذه الشراكات من مضمونها كلما تعارضت مع معادلة التفوق الإسرائيلي. تتحدث عن الاستقرار، لكنها تمارس سياسات تُبقي الصراع حيًا وقابلًا للاشتعال في أي لحظة.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه السياسة الأمريكية- الإسرائيلية بمعزل عن نتائجها الأوسع على بنية الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة. فاستمرار إدارة الشرق الأوسط بمنطق التفوق وإدامة التوتر يجعل الإقليم كله بؤرة غير مستقرة، طاردة بطبيعتها لأي استثمار حقيقي أو تنمية مستدامة. فرأس المال بطبيعته جبان، يهرب من مناطق الصراع المفتوح، ولا يغامر في بيئة تتغير خرائطها الأمنية مع كل جولة تصعيد.وهكذا يتحول عدم الاستقرار إلى أداة غير معلنة من أدوات السيطرة، تُبقي المنطقة في حالة إنهاك دائم، وتمنع تشكل أي قوة اقتصادية أو تنموية قادرة على الاستقلال في القرار.

الأخطر أن هذه السياسة تمثل شكلًا من الحروب الجديدة، حروب لا تُخاض فقط بالدبابات والطائرات، بل عبر تفكيك الاستقرار، وإضعاف الدول المركزية، وفتح جبهات توتر متزامنة حولها. وفي هذا السياق، تبدو مصر مستهدفة بصورة غير مباشرة، عبر إحاطتها بدوائر صراع في غزة، وشرق المتوسط، والسودان، وليبيا، بما يستنزف دورها ويقيد حركتها الإقليمية، دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة معها.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان — كباحث في الجيوسياسية — ما ورد في مذكرات "دافيد بن جوريون"، مؤسس الدولة العبرية، حين تحدث صراحة عن مركزية الدور المصري في الصراع العربي- الإسرائيلي، وعن ضرورة إخراج مصر من معادلة الصراع، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا واستراتيجيًا، عبر تحييدها وتحويلها إلى دولة محكومة بجغرافيتها وحدودها، لا بثقلها الإقليمي والتاريخي، أي جعل مصر دولة "حبيسة الجغرافيا"، منشغلة بتأمين محيطها المباشر، لا قائدة لتوازنات الإقليم.

ومن هذا المنظور، فإن فتح الجبهات حول مصر، وإبقاء محيطها في حالة سيولة أمنية، لا يمكن فصله عن تصور استراتيجي أقدم، يُعاد إنتاجه بأدوات حديثة، عنوانه: إدارة الفوضى بدل حل الصراع، واستنزاف القوى المركزية بدل مواجهتها. هكذا لا تُدفع المنطقة فقط نحو عدم الاستقرار، بل يُعاد تشكيلها بطريقة تُبقي التفوق الإسرائيلي قائمًا، وتُقزّم أدوار الدول العربية الكبرى، وفي مقدمتها مصر، دون إطلاق رصاصة واحدة.

فالأمن الذي يُبنى على إضعاف الآخرين، وعلى تحويل التوتر إلى حالة دائمة، لا يصنع سلامًا ولا استقرارًا، بل يؤسس لمنطقة معلّقة بين الحرب والهدنة، خاسرة اقتصاديًا، ومكبّلة سياسيًا، وعاجزة عن استعادة دورها الطبيعي في النظام الدولي.

محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق