نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
غرينلاند في قلب معركة القطب الشمالي - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 يناير 2026 10:34 صباحاً
أكرم بزي
أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتجددة (في بداية عام 2026) حول "الحاجة" لضم جزيرة غرينلاند توتراً ديبلوماسياً حاداً وقلقاً دولياً واسعاً، خصوصاً أنها جاءت في سياق سياسي محموم بعد العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا.
لطالما نظر الى جزيرة غرينلاند كأرض جليدية نائية خارج حسابات الصراع المباشر بين القوى الكبرى. لكن في عام 2025 تحولت هذه الجزيرة الى حجر زاوية في اعادة تشكيل العقيدة الأمنية الأميركية وفي قلب صراع دولي مفتوح على القطب الشمالي. الإصرار الأميركي على ضم الجزيرة أو فرض سيطرة عملية عليها لا يمكن قراءته كفكرة عابرة او صفقة عقارية، بل كجزء من تصوّر استراتيجي جديد يعتبر أن الجغرافيا القطبية باتت امتداداً مباشراً للأمن القومي الأميركي.
تستند هذه المقاربة الى تحديثات جوهرية في التفكير الدفاعي الأميركي ترى في القطب الشمالي ممراً حيوياً للدفاع عن الداخل الأميركي لا هامشاً بعيداً عنه. ذوبان الجليد فتح مسارات بحرية جديدة وغيّر معادلات الحركة العسكرية والتجارية وجعل القطب ساحة مفتوحة أمام الغواصات والسفن العابرة للقارات. ما كان يشكل سابقاً حاجزاً طبيعياً أصبح اليوم نقطة ضعف امنية تتطلب حضوراً دائماً ومنظومات مراقبة متقدمة تحوّل الجزيرة الى مركز إنذار مبكر ورادار استراتيجي يغطي نصف الكرة الشمالي.

في هذا السياق، لا تقتصر أهمية غرينلاند على موقعها فحسب بل تمتد الى ثرواتها الكامنة في باطنها، حيث تشكل المعادن الأرضية النادرة أحد أعمدة الصراع الاقتصادي والتكنولوجي العالمي. السيطرة على هذه الموارد تعني تقليص التبعية للخارج وكسر احتكارات قائمة وضمان إمدادات حيوية للصناعات العسكرية والرقمية. هكذا تتقاطع الجغرافيا مع الاقتصاد في صيغة واحدة تجعل من الجزيرة رصيداً استراتيجياً طويل الأمد لا يمكن التفريط به.
البعد العسكري يشكل بدوره ركيزة أساسية في هذا التوجه، إذ تمثل غرينلاند أقرب نقطة انتشار أميركية الى العمق الروسي. توسيع السيطرة يسمح بتعزيز منظومات الدفاع الصاروخي ونشر قدرات بحرية وجوية متقدمة تعيد ضبط توازن الردع في القطب الشمالي وتطوق النفوذ الروسي المتنامي في هذه المنطقة الحساسة. في الوقت نفسه، تتهيأ واشنطن لمرحلة يصبح فيها القطب طريقاً تجارية عالمية بديلة من الممرات التقليدية، ما يفتح باباً واسعاً لإعادة تشكيل حركة التجارة الدولية تحت مظلة أمنية أميركية.
هذا التحول يحمل انعكاساتٍ مباشرةٍ على روسيا التي ترى في القطب الشمالي مجالها الحيوي التقليدي وخط دفاعها الأول عن عمقها الاستراتيجي. أي تمدّد أميركي في غرينلاند يعني تضييق الخناق على الأسطول الروسي الشمالي، وفرض رقابة لصيقة على طرق الملاحة التي تعتمد عليها موسكو إقتصادياً وعسكرياً. في المقابل، تنظر الصين الى هذا المسار بقلق متزايد، إذ يهدّد طموحاتها في تقديم نفسها قوة قريبة من القطب ويقيّد وصولها الى الممرات التجارية الجديدة والموارد الاستراتيجية، ما يدفعها الى تعزيز شراكتها مع روسيا في مواجهة ما تعتبره محاولة أميركية لاحتكار الشمال وتطويق الصعود الصيني.
غير أن هذا التوجه لا يخلو من تداعيات سياسية عميقة داخل المعسكر الغربي نفسه. التعامل مع غرينلاند بمنطق فرض الأمر الواقع يكشف تحولا في علاقة واشنطن بحلفائها الأوروبيين إذ تتراجع اعتبارات السيادة والقانون الدولي أمام منطق الأمن القومي الأميركي. الضغط على الدنمارك بذريعة العجز عن حماية الجزيرة يضع أوروبا أمام معادلة صعبة إما القبول بالرؤية الأميركية وإما مواجهة تصدّع داخلي في بنية التحالف الغربي قد يصل الى حد اهتزاز تماسك الناتو.
لم تعد غرينلاند جزيرة منسية على هامش الخرائط بل تحولت الى حاملة طائرات طبيعية ومنجم ثروات ومفتاح للهيمنة في القرن الحادي والعشرين. الرؤية الأميركية الجديدة لا تنظر الى القطب الشمالي ساحة تعاون علمي أو بيئي، بل كمسرح صراع تحكمه معادلة السلام من خلال القوة. نجاح واشنطن في فرض سيطرتها سيعيد رسم خرائط النفوذ العالمي ويحمل في طياته تحولاً عميقاً في شكل النظام الدولي وتوازناته.









0 تعليق