غرينلاند الجزيرة القطبية... جمرة في رماد العلاقة الأطلسية - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
غرينلاند الجزيرة القطبية... جمرة في رماد العلاقة الأطلسية - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 يناير 2026 10:34 صباحاً

انتهى عام 2025 بين الدنمارك والولايات المتحدة على صفقة طائرات من "بوينغ" بقيمة 1.8 مليار دولار، وذلك على الرغم من تجدّد التوتر بين الدولتين على خلفية عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المطالبة مرة أخرى بالسيطرة على جزيرة غرينلاند.

 

وأبلغت الخارجية الأميركية الكونغرس أن الصفقة "ستدعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، عبر تحسين الأمن في بلد حليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو)".

 

قبل أسبوع من ذلك، وافقت الخارجية كذلك على صفقة منفصلة بنحو مليار دولار لبيع صواريخ جو–جو للدنمارك.

 

وبدأ عام 2026 في فنزويلا بعملية عسكرية أميركية نوعية انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة للمحاكمة.
لكن الأحداث الأميركية–الدنماركية في كانون الأول/ديسمبر الماضي لم تقتصر على صفقتي الأسلحة، إذ تخلّلها تعيين ترامب حاكم ولاية لويزيانا جيف لاندري مبعوثاً خاصاً إلى غرينلاند، وتعهّده بالعمل لجعل الجزيرة "جزءاً من الولايات المتحدة".

 

سبق ذلك عدم استبعاد الرئيس الأميركي إمكانية انتزاع غرينلاند بالقوة، لأن بلاده تحتاج إلى الجزيرة الغنية بالموارد للحفاظ على أمنها في مواجهة النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي.

 

مع الإشارة إلى أن للولايات المتحدة وجوداً عسكرياً كبيراً في قاعدة "بيتوفيك الفضائية"، وفي عام 2025 نقل الجيش الأميركي الإشراف على غرينلاند إلى القيادة الشمالية الأميركية، ما يعني اعتبارها جزءاً من الدفاع عن الجزء الشمالي للقارة.

 

وبحسب الأكاديمية والباحثة المتخصصة في الجيوبوليتيك الدكتورة سيلين جريزي، فإن "المصالح الأمنية المشتركة، ولا سيما في الفضاء القطبي الشمالي، تتجاوز بكثير الخلافات السيادية التي يثيرها الخطاب الأميركي حول الجزيرة". وتقول جريزي لـ"النهار" إن حدّة هذا التوتر "غير قادرة على المساس بالبنية الاستراتيجية العميقة التي يقوم عليها الارتباط الأطلسي".

وعي أوروبي

بين غرينلاند وفنزويلا قاسم مشترك، هو فرض السيطرة الأميركية، إذ تُعتبر المنطقتان ركيزتين أساسيتين في استراتيجية الإدارة الأميركية التي تهدف إلى تأمين الموارد الحيوية ومواجهة النفوذ الصيني والروسي.

 

وفقاً لذلك، ومع التوترات التي شهدتها العلاقات الأميركية–الأوروبية في العام الفائت، يبدو أن الجزيرة التابعة لمملكة الدنمارك، والتي تتمتع بحكم ذاتي، مرشحة لتكون أحد أبرز الملفات الخلافية في السنة الحالية.

 

أوروبا أعربت عن تضامنها الكامل مع الدنمارك وغرينلاند، التي أكد رئيس وزرائها ينس فريدريك نيلسن أنها "ليست للبيع". وتمّ استدعاء السفير الأميركي لدى كوبنهاغن احتجاجاً على تعيين مبعوث خاص.

 

والخلاف الأطلسي مرشح للازدياد في حال استمر الضغط التصاعدي بين الطرفين، ومن المؤكد أنه لن يتطور إلى أي نوع من أنواع الصدام العسكري، والصفقات العسكرية المبرمة تؤكد أن الهواجس الأمنية تجاه روسيا والصين أكبر من أي خلاف يهدد مصير "الناتو".

 

وفي هذا الإطار تحديداً، تنوّه جريزي إلى أن "غرينلاند تُستخدم في الغالب كورقة ضغط تفاوضية أكثر منها عاملاً يهدد بتفكيك التحالف"، وأن المواقف الأميركية "تُضعف الثقة وتثير حساسيات سيادية" لدى الأوروبيين، "لكنها تُواجَه بوعي أوروبي بأن التحديات الجيوسياسية الكبرى، خصوصاً المنافسة مع روسيا والصين، تفرض الحفاظ على الحد الأدنى من الانسجام داخل الحلف".

 

لكن الخلاف قد يأخذ أشكالاً مختلفة، منها تصعيد الحرب التجارية أو التلويح بتقليص وسائل الدفاع الأميركية من أوروبا، التي تدرك جيداً أنها غير قادرة على حماية نفسها، وقد أثبتت الحرب الأوكرانية ذلك بالفعل، كما أن خطط زيادة الإنفاق العسكري وتطوير الصناعات العسكرية الأوروبية تحتاج إلى سنوات لتكتمل.

 

هذا بالإضافة إلى عامل آخر قد يشكّل أقصر الطرق لتحقيق الرغبة الأميركية، وهو أن غرينلاند ترغب بالاستقلال عن الدنمارك. وقد أظهر استطلاع للرأي في كانون الثاني/يناير 2025 أن 56 في المئة من السكان يؤيدون الاستقلال، مع تأكيدهم أنهم لا يريدون أن يكونوا أميركيين. لكن اعتمادهم الاقتصادي شبه المطلق على الدنمارك قد تجد فيه الولايات المتحدة وسيلة لتحقيق نفوذها بالطرق الناعمة.

 

هذا السياق لا يتطابق مع نظرة الدكتورة جريزي، فهي ترجّح أن تستمر ديناميكية "المساومة المقنّعة". وترى أن صفقات الأسلحة هي "عرض لأعمق تناقض في العلاقة عبر الأطلسي: شراكة أمنية مصيرية يصعب الاستغناء عنها، تقع في قلب منافسة جيوسياسية واقتصادية متزايدة".
أما النتيجة، بحسب الباحثة عينها، فتكون على شاكلة "ليست فرضاً أميركياً كاملاً، ولا سيادة أوروبية مطلقة، وإنما حالة معقدة من التبعية المتبادلة والمنافسة المحتواة".

 

وعليه، يُدار الصراع بشأن غرينلاند ضمن حدود "لا تتخلى فيها أوروبا عن مصالحها الجوهرية، حتى وإن أُنهِكت خاصرتها الرخوة... وأُحرِق طرفها من نيران صديقة خلال استماتتها في الدفاع عن أوكرانيا".

 

لكنها تشدّد على مسألة بالغة الأهمية ويدركها جيداً طرفا الصراع، وهي أن "القوة الأميركية لديها حدود حتى وإن أظهر ترامب العكس"، لأن أي محاولة لربط بيع الأسلحة بتنازلات سياسية في غرينلاند "ستُفهم كابتزاز، وقد تستفز أوروبا وتدفعها إلى تسريع خطط الاستقلال الاستراتيجي الدفاعي، مما يضر بمصالح واشنطن طويلة الأمد".

 

 

علم الدنمارك يرفرف بجوار تمثال هانز إيغيدي في نوك، غرينلاند. (رويترز)

علم الدنمارك يرفرف بجوار تمثال هانز إيغيدي في نوك، غرينلاند. (رويترز)

 

حرب المعادن

في ضوء "المكابشة" الدولية على المعادن النادرة، وتمتّع غرينلاند بمخزون كبير منها، والتغير المناخي الذي أتاح لروسيا والصين "شق طريق" بحري في القطب الشمالي، فإنه في الوقت عينه أعطى أوروبا فرصة التنقيب والاستثمار في هذه المعادن. وتبعاً لذلك، فإن مهمة الولايات المتحدة بوضع يدها على الجزيرة القطبية لن تكون سهلة، خصوصاً أن المنافس للحليفين الأطلسيين هو الصين، التي قامت بالفعل خلال الحرب التجارية مع الولايات المتحدة باستخدام سلاح المعادن النادرة كورقة ضغط.

 

توازياً، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه متأخراً عن اللحاق بالتقدم التكنولوجي الآتي من الغرب والشرق، حتى يتمكن من فك قيود التبعية.

 

وهنا تؤكد جريزي، المقيمة في باريس، أن أوروبا "لن ترمي بالكنز من نافذة القطار الجيوسياسي السريع. غرينلاند ليست سلعة، بل هي شريك واستثمار في أمن أوروبا المستقبلي". وتتابع أن أوروبا ستحاول تهدئة التوتر مع حليفها الأميركي القوي رغم "تصدّع" ثقتهما المتبادلة، لكنها "ستقاتل من أجل استمرار مصالحها هناك (غرينلاند) بذكاء، مستخدمة أوراق القوة التي تملكها والمتمثلة بالشراكة الحقيقية مع السكان والمال والخبرة التقنية ومعايير الاستدامة التي يريدها العالم".

 

تزامن العمل العسكري على فنزويلا مع إعادة التصويب الأميركي على غرينلاند، ما دفع بالاتحاد الأوروبي إلى الدعوة، من خلال مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا كالاس، إلى "ضبط النفس وتجنّب التصعيد" في فنزويلا، مشددة على أن "مبادئ القانون الدولي يجب أن تُحترم في جميع الظروف".

 

بالتوازي، كان الموقف الفرنسي أكثر وضوحاً حيال فنزويلا، إذ أعرب وزير خارجيتها جان نويل بارو علناً عن "إدانة" بلاده لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل القوات الأميركية، مؤكداً أن أي حل للأزمة "يجب ألّا يُفرض من الخارج".

 

وعلى الرغم من التباين في الموقف الأوروبي تجاه فنزويلا، فإن الاتحاد الأوروبي يشدد على الانتقال السلمي والديموقراطي للسلطة في كراكاس، مع تأكيده أن مادورو "يفتقر إلى الشرعية".

 

أما في غرينلاند، فالموقف الأوروبي موحّد حيال السلامة الإقليمية والسيادة على الجزيرة كجزء من الدنمارك.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق