نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جرينلاند واختبار الناتو: حين يتقلّص الحلف وتتيه أوروبا في ظل فراغ القوة - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 يناير 2026 07:32 صباحاً

محمد سعد عبد اللطيف
محمد سعد عبد اللطيف
ليست جرينلاند مجرد جزيرة جليدية على أطراف الخريطة، بل هي مرآة قاسية لانكسار النظام الدولي. هناك، عند الحافة الباردة من العالم، يُختبر حلف شمال الأطلسي، وتُعرّى أوروبا أمام سؤال وجودي لم تعد قادرة على الهروب منه: هل ما زالت قارة قادرة على صناعة التاريخ، أم تحوّلت إلى جغرافيا تنتظر قرارات الآخرين؟
في زمن "نظام الأقوياء"، لم يعد القانون الدولي سوى هامش، ولم يعد الحلف سوى ظلٍّ لذاته، فيما تتقدّم الولايات المتحدة خطوة وتتراجع خطوتين، تاركة فراغاً تتسابق القوى الصاعدة لملئه.
أحادية القرار وأزمة "الأمن الجماعي" لم تُطرح جرينلاند فجأة على طاولة الصراع، فموقعها الاستراتيجي بين القطب الشمالي وأمريكا الشمالية وأوروبا جعلها منذ سنوات هدفاً صامتاً لإعادة رسم خرائط النفوذ. غير أن الجديد اليوم هو أن هذا الصراع لم يعد يُدار داخل مؤسسات الناتو بروح جماعية، بل بمنطق أمريكي أحادي، فالقطب الشمالي لم يعد شأناً أطلسياً مشتركاً، بل ورقة نفوذ أمريكية خالصة. هنا يتجلّى مأزق أوروبا بوضوح: حلف تأسّس على مبدأ "الأمن الجماعي" بات يُدار بمنطق "الأولوية الأمريكية"، فيما تُستدعى أوروبا للدفع لا للتقرير، وللتمويل لا للتخطيط.
خريطة الفراغ: من أوكرانيا إلى أفريقيا
الناتو اليوم ليس في حالة توسّع بقدر ما هو في حالة إعادة تعريف قسرية. التوسّع شرقاً لم يكن لحماية أوروبا بقدر ما كان لاحتواء روسيا، والانكفاء الأمريكي النسبي عن الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وأفريقيا لم يكن انسحاباً أخلاقياً، بل إعادة تموضع انتقائية. والنتيجة: حلف ضخم عسكرياً وهشّ سياسياً، وقارة أوروبية بلا عقيدة أمنية مستقلة، وبلا قدرة على اتخاذ قرار سيادي خارج المظلّة الأمريكية.
في الشرق الأوسط، تركت واشنطن حرائق بلا إطفاء: فراغاً أمنياً تمدّدت فيه قوى إقليمية، وصراعات مؤجلة بلا حلول. وفي أمريكا الجنوبية، تراجع النفوذ الأمريكي التقليدي فبرزت الصين وتوغّلت روسيا. أما أفريقيا، فقد تحوّل الغياب الأمريكي فيها إلى مساحة مفتوحة للانقلابات وصراعات الموارد.هكذا لم يُنتج الغياب الأمريكي سلاماً، بل فوضى مُدارة.
أوروبا: القوة الناعمة في عالم صلب وسط هذا المشهد، تبدو أوروبا الخاسر الأكبر، قوة اقتصادية بلا سيادة سياسية، وقوة ناعمة في عالم لا يحترم إلا الصلابة. حين اشتعلت الحرب في أوكرانيا، اكتشفت أوروبا أنها لا تملك قرار الحرب ولا قرار السلام، وحين طُرحت جرينلاند مجدداً، أدركت أن الجغرافيا الأوروبية نفسها لم تعد أوروبية القرار.
ثلاثة سيناريوهات للمستقبل أمام هذا التحول محتملة:
أوروبا التابعة: التي تستمر كملحق استراتيجي لواشنطن، بلا استقلال أمني حقيقي.
أوروبا الممزقة: حيث تتراجع وحدة الاتحاد وتتصاعد المصالح القومية المتناقضة.
أوروبا المستفيقة: التي تعيد بناء عقيدتها الأمنية وتفصل قرارها الاستراتيجي نسبياً عن القرار الأمريكي، وهو المسار الذي يتطلب شجاعة سياسية لم تُولد بعد.
خاتمة جرينلاند، في النهاية، ليست اختباراً جغرافياً، بل اختبار وعي. والناتو لم يعد مجرد حلف عسكري، بل مرآة لانكشاف أوروبا في عالم يتراجع فيه القانون وتتقدّم فيه القوة. في هذا العالم، لا مكان للحياد ولا قيمة للانتظار: إما أن تولد أوروبا من جديد كقوة سياسية ذات سيادة، أو تظل قارة جميلة.. .بلا قرار!














0 تعليق