نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من بازار طهران إلى الخطوط الحمراء... ما بدأ كصدمة نقدية تحوّل موجة شعبية - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 08:04 صباحاً
اندلعت موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران على وقع الارتفاع الحاد في سعر صرف الدولار الأميركي، أو بالأحرى الانهيار المفاجئ للعملة الوطنية. وكانت الشرارة الأولى في البازارات والمراكز التجارية، حيث أضرب التجار وأقفلوا محالهم، قبل أن تمتدّ التحركات بسرعة إلى مختلف أنحاء البلاد، لتطال مدناً تُعتبر تقليدياً معقلاً للنظام الديني، إضافة إلى مناطق في العاصمة طهران ومدن كبرى أخرى.
الواضح أن العملة لم تكن سوى الشرارة، أما النار الحقيقية فتكمن في عقود من سوء الحوكمة على مختلف المستويات. في هذا السياق، يعدد الناشط الإيراني أ. س.، الذي تحدّث من طهران لـ"النهار" شرط عدم ذكر اسمه، سلسلة من الأزمات المتراكمة: "تضخم مزمن، بطالة، فقر واتساع الفوارق الاجتماعية، عقوبات دولية، فساد مستشرٍ، قمع سياسي، تقييد للحريات العامة وحرية التعبير، رقابة وحجب واسع للإنترنت، تدهور بيئي وتلوّث خانق، وصولاً في الآونة الأخيرة إلى نقص في الكهرباء والمياه".
ويضيف: "فشل النظام في توفير أبسط مقوّمات الدولة السليمة: الازدهار، سيادة القانون، الكرامة، وإمكانية العيش بشكل طبيعي".
علم إيران ما قبل الثورة مرفوعاً في إحدة التظاهرات. (أ ف ب)
في المقابل، ينفق النظام بسخاء مليارات الدولارات على البرنامج النووي ودعم الميليشيات في المنطقة، على حساب الاستثمار في البنية التحتية والصناعة وبناء علاقات طبيعية مع المجتمع الدولي. والنتيجة، برأي أ. س.، "انحدار اقتصادي وتنموي عميق حرم الإيرانيين من أيّ أفق للمستقبل".
ما بعد الإصلاح: استهداف النظام برمّته
ليست الاحتجاجات المتسعة في إيران هي الأولى في البلاد، لكن ما يميّزها عن سابقاتها، وفق أ.س.، هو وضوح الهدف: "لم يعد المحتجون يطالبون بإصلاحات جزئية أو بمعالجة قضايا محددة... بل باتوا يستهدفون النظام ككل".
وتعكس الهتافات هذا التحوّل، إذ يعلو شعار "الموت للديكتاتور" بدلاً من التركيز على مطالب محددة كما حصل في احتجاجات "المرأة الحرّية الحياة" في عام 2022، بعد وفاة الشابة مهسا أميني في الاعتقال عقب توقيفها بذريعة عدم ارتدائها الحجاب في شكل لائق؛ أو في عام 2009، عقب الإعلان عن فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بنسبة 63% من الأصوات، رغم العديد من المخالفات المبلغ عنها.
ويؤكد أ.س. أن المطلب الأساسي تجاوز خفض سعر الدولار أو كبح التضخم، "ليصبح إنهاء منظومة الحكم القائمة واستبدالها بحكومة طبيعية، خاضعة للمساءلة، ديموقراطية، وقائمة على التنمية".
ولعلّ العنصر الأبرز والأكثر حساسية سياسياً هو الدعم العلني لنجل شاه إيران السابق رضا بهلوي كبديل محتمل. فغالباً ما افتقرت الاحتجاجات إلى مشروع سياسي واضح، باستثناء ما حصل إبان "الثورة الخضراء"، ولطالما اكتسب النظام قوّته من ضعف خصميه الرئيسيين "مجاهدي خلق" ورضا بهلوي وافتقارهما إلى قاعدة شعبية في الداخل.
لذلك، بدا لافتاً التحوّل الجذري مقارنة بالحركات السابقة التي افتقرت إلى بديل سياسي واضح. اليوم، يقول الناشط الايراني إن "محتجين كثراً يرون في رضا بهلوي قائداً رمزياً لمرحلة انتقالية تنهي حكم الجمهورية الإسلامية".
كسر الخوف…
تتسع رقعة الاحتجاجات يومياً لتصل إلى مناطق اعتبرت تقليدياً محافظة وبمنأى عن التمرّد على النظام، وهو ما يعكس تحوّلاً نوعياً في المزاج العام. ومع توسعها، بدأت أجهزة الأمن اللجوء إلى القوة والعنف، وتكشف مقاطع الفيديو التي يتناقلها الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي كراً وفراً بين الجانبين واستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود.
لكن الاحتجاجات تبقى، بحسب أ.س.، عفوية وغير مركزية: "أيّ تحرك احتجاجي في إيران يُعدّ غير قانوني ويواجه بقمع شديد، وغالباً ما يتخذ طابعاً دموياً، إذ تعمد القوات الأمنية إلى إطلاق النار أو استهداف الوجوه والعيون لإحداث إعاقات دائمة".
ولتقليل مخاطر القمع، اعتمد المحتجون أساليب لامركزية، عبر التجمع في نقاط متعددة في الوقت نفسه، ثم التفرّق بسرعة وإعادة التجمع في أماكن أخرى. ويؤكد الناشط أنه "لا يمكن الحديث عن قائد ميداني واحد"، وإن يكن "ما نشهده هو شجاعة استثنائية".
أسطورة "التدخل الخارجي"
في مواجهة الاحتجاجات، عاد النظام إلى اتهام الخارج بالتحريض. لكن هذه الرواية باتت لازمة تتكرر مع كل تحرك داخلي في إيران، "فكيف يمكن الادعاء أن شعباً يعيش منذ عقود تحت وطأة التضخم والقمع والفقر، حيث لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور نحو 100 دولار شهرياً، هو شعب راضٍ، وأنه يتحرك لخدمة أجندات الخارج"، معتبراً أن هذه الاتهامات لم تعد سوى أداة للترهيب وتبرير العنف، و"محاولة للهروب من معالجة الأسباب الحقيقية للغضب الشعبي".
سبعة دولارات… وإهانة
بعد نحو تسعة أيام على اندلاع الاحتجاجات، أقالت السلطات رئيس المصرف المركزي، من دون أن ينعكس ذلك تراجعاً في سعر الدولار، بل واصل ارتفاعه. وتشير التقارير إلى مقتل ما لا يقل عن 30 شخصاً، فيما تُظهر مقاطع فيديو متداولة قمعاً عنيفاً لم ينجح في ردع المحتجين، بل زاد من غضبهم.
أما قرار الحكومة صرف إعانة شهرية تعادل نحو 7 دولارات، فقد قوبل بسخرية وغضب واسعين، وخصوصاً أن المبلغ لا يشتري "كيلوغراماً واحداً من اللحم"، واعتبره الايرانيون إهانة لا حلاً. والأسوأ، برأي أ. س.، أن هذه السياسات تزيد الأزمة تعقيداً عبر ضخ السيولة من دون إصلاحات بنيوية، ما يفاقم التضخم ويؤكد القناعة السائدة بأن النظام "لا يملك القدرة ولا الإرادة لإجراء إصلاح حقيقي".
في شوارع إيران، الرسالة أكثر مباشرة. وما بدأ في البازار، عبر سريعاً إلى كسر المحرّمات السياسية والنفسية. وللمرة الأولى منذ سنوات، يبدو أن الخوف نفسه بدأ يتراجع.











0 تعليق