نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صاروخ "DR-3"... سلاح سوفياتي قديم يعود إلى الواجهة من بوابة لبنان - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 12:23 مساءً
شفيق طاهر
منذ أن نشرت صور لأسلحة صودرت من مواقع تابعة لـ"حزب الله" في الجنوب، برز تفصيل لافت وسط المشهد: هيكل نفاث متوسط الحجم، تعرف عليه باحثون ومراكز دراسات أمنية على أنه من فصيلة "DR-3"، أي النسخة المسيرة الصاروخية من الطائرة السوفياتية "Tu-143 Reys".
يشير تحليل الصور المنشورة إلى صاروخ كروز بدائي، يبلغ مداه نحو 200 كيلومتر، ويزن رأسه الحربي نحو 300 كلغ، وهو ما ربطته تقارير متخصصة مباشرة بتحويلات طائرة "Tu-143" القديمة إلى صواريخ هجومية بيد "حزب الله".
من طائرة استطلاع إلى منصة إطلاق
خرجت طائرة "Tu-143" من مصانع الاتحاد السوفياتي في السبعينات، كمنصة استطلاع تكتيكي قصير المدى للجيش الأحمر وحلفائه، تطلق عن منصة حديدية فوق مقطورة، مع معزز صاروخي للإقلاع، ثم يعمل محرك "توربوجِت" صغير يمنحها سرعة تصل إلى نحو 950 كم/ساعة، ومدىً عملياً يقارب 180–200 كلم، قبل أن تهبط بمظلة في منطقة محددة لاستعادتها.
يبلغ طول الطائرة نحو 8 أمتار، وباع جناحيها قرابة 2.2 متر، وجرى إنتاج قرابة 900 وحدة منها خلال الحرب الباردة، وتصديرها إلى دول عدة بينها سوريا، حيث استخدمت في مهمات استطلاع فوق لبنان خلال الثمانينات.
نموذج من النسخة المعدلة من الصاروخ في عهدة القوات الأوكرانية. (ويكيبيديا)
التجربة الأوكرانية: صاروخ كروز رخيص
مع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في 2022، ظهر فصل جديد في قصة هذه المنصة. فالقوات الأوكرانية، تحت ضغط نقص الذخائر الموجهة، لجأت إلى تحويل بعض طائرات "Tu-143" إلى طائرات انتحارية/صواريخ كروز بدائية، فأزيلت حمولة الاستطلاع واستبدلت بشحنة متفجرة، وأضيفت منظومات توجيه بسيطة، لتتحول الطائرة إلى سلاح يُطلق باتجاه أهداف في العمق الروسي.
وأكدت موسكو إسقاط إحدى هذه النسخ المحملة بالمتفجرات فوق مقاطعة كورسك في حزيران/يونيو 2022.
رسخت هذه التجربة فكرة أن الطائرة القديمة يمكن أن تعود إلى الحياة كسلاح مخفوض التكلفة، لا يرقى بالدقة إلى صواريخ كروز الحديثة، لكنه يحقق هدفاً أساسياً: إيصال رأس حربي إلى مسافة مئات الكيلومترات تقريباً، من دون الحاجة إلى صاروخ موجه متطور.
من أوكرانيا إلى جنوب لبنان
في أيلول/سبتمبر 2024، كشف الجيش الإسرائيلي، عبر تسجيلات فيديو وصور جوية، ما قال إنه صاروخ "DR-3" مخبأ داخل منزل في جنوب لبنان، ومعه منصة إطلاق على سكة داخلية، في محاولة لإخفائه ضمن نسيج مدني.
التعرف على الهيكل، وأبعاد الجناح، وشكل ذيل الطائرة، دفع مراكز بحث إسرائيلية متخصصة إلى الجزم بأن الحديث يدور عن تحويلات "Tu-143" شبيهة بتلك المستخدمة في أوكرانيا، لكن هذه المرة في حوزة "حزب الله".
لاحقاً، تناولت تقارير عسكرية متخصصة الموضوع بمزيد من التفصيل، مشيرة إلى أن "حزب الله" تسلّم المنظومة على الأغلب عبر سوريا، التي حصلت على طائرات "VR-3"، وهي النسخة التصديرية من "Tu-143"، وبمواكبة فنية روسية أو إيرانية تم تحويلها إلى صاروخ كروز بدائي يمكنه حمل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات لمسافة تراوح بين 200 و300 كلم، ما يضع مدناً إسرائيلية رئيسية ضمن مدى الضرب من العمق اللبناني.
الصاروخ والمنصة بعد التعديل. (ويكيبيديا)
الخصائص التقنية والقدرات الفعلية
استناداً إلى مواصفات الطائرة الأصلية وما نشرته مراكز أبحاث إسرائيلية وأجنبية، يمكن تلخيص صورة "DR-3" التقريبية كالآتي:
- الطول: نحو 8 أمتار.
- باع الجناح: حوالى 2.2 متر.
- طريقة الإطلاق: منصة سكة على مقطورة مع معزز صاروخي، ثم طيران بمحرك نفاث صغير.
- المدى :المصادر الإسرائيلية تتحدث عن 200 كلم للنسخة التي رصدت في لبنان، بينما تشير تقديرات أخرى إلى إمكان بلوغ 200–300 كلم تبعاً للحمولة ومسار الطيران.
- الرأس الحربي: شحنة شديدة الانفجار أو تشظية بوزن قد يصل إلى 250–300 كلغ في بعض التقديرات.
- التوجيه: ملاحة قصورية مبرمجة سلفاً، من دون باحث راداري أو بصري، ما يعني دقة أقل وتكلفة أدنى.
الميزة الأساسية هي صاروخ لا يحتاج إلى مدرج أو بنية تحتية ثابتة. يمكن إخفاء منصة الإطلاق داخل مبنى أو هنغار صغير، تجهيز الصاروخ، إطلاقه خلال دقائق، ثم إخلاء الطاقم، وهو ما يزيد من صعوبة رصد المنظومة واستهدافها في الوقت المناسب.
أبعاد سياسية وعسكرية
دخول "DR-3" إلى مشهد السلاح في المنطقة يحمل ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولاً، تعزيز قدرات الوكلاء: يمنح هذا السلاح "حزب الله" والحشد الشعبي قدرة ضرب بعيدة نسبياً من دون الحاجة إلى صواريخ كروز متقدمة وغالية الثمن، فيضيف طبقة جديدة إلى منظومة الصواريخ والطائرات المسيرة لدى المحور المدعوم من إيران.
ثانياً، مخاطر انتشار المنظومات القديمة: وجود مخزونات كبيرة من طائرات "Tu-143" في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو السابق يعني أن نموذج التحويل الأوكراني واللبناني قد يتكرر في ساحات أخرى، من الشرق الأوسط إلى أفريقيا، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بروسيا أو إيران.
تحدي الدفاع الجوي الإسرائيلي والإقليمي: صاروخ كروز مخفوض البصمة مثل "DR-3" يطير على ارتفاعات متدنية وبمسار مبرمج، يفرض ضغطاً إضافياً على الدفاعات المجهزة أساساً للتعامل مع صواريخ باليستية وطائرات مأهولة. يتطلب التعامل معه طبقات من الرادارات، ووسائل رصد كهروبصرية، وأنظمة اعتراض سريعة الاستجابة.
من حيث المبدأ، يمكن منظومات مثل "باتريوت" و"القبة الحديدية" و"مقلاع داود"، إضافة إلى بطاريات قصيرة المدى، أن تتعامل مع "DR-3" إذا تم رصده في وقت ملائم، لكن التحدي يكمن في كشف الإطلاق المبكر وتعقب المسار المخفوض. لذلك، تطرح التقارير العسكرية أهمية دمج الاستخبارات البشرية، وصور الأقمار الاصطناعية، والرصد الكهروبصري الأرضي، في عملية الصيد المسبق لمنصات الإطلاق المتحركة.
يقدم صاروخ "DR-3" مثالاً نموذجياً على كيف يمكن منظومة استطلاع قديمة أن تعود إلى الواجهة بصفتها سلاحاً ضارباً في الحروب المعاصرة، قليلة التكلفة وعالية الرمزية.
قد لا يغير هذا السلاح ميزان القوى بمفرده، لكنه يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى معادلات الردع والدفاع. ويذكر بأن مخازن الحقبة السوفياتية لاتزال قادرة بعد نصف قرن، على إنتاج مفاجآت ميدانية ذات أثر سياسي واضح.










0 تعليق