نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عندما قال لي المطران خضر: لسنا بقايا الصليبيين ولا "شرّابة خرج" - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 12:33 مساءً
الدكتور كمال ديب
عندما اندلع ما يسمّى "الربيع العربي" من تونس أولاً، وامتد إلى مصر في بداية عام 2011، دأب البعض في لبنان والدول العربية على الكلام المباح عن عودة الأغلبية الدينية إلى السلطة (ويقصدون بعد سقوط السلطنة العثمانية عام 1923)، فعلى الأقليات أن تخرس. ولكن شاهدنا ما حصل بعد ذلك من شرذمة المنطقة ودمار الأوطان (سوريا وليبيا وتونس والسودان وغيرها). أمّا السبب فلأنّ تلك العودة لم تتحقّق، بل ظهر رأس الأفعى التكفيرية. وأمّا عودة حقبة الخلافة فهي تعني - بالنسبة إلى صديقي الراحل جورج قرم - أن نرى تجديداً لعصر العرب الذهبي من بغداد إلى الأندلس، وليس انحطاطاً في الفكر والأدب.
ثمّ، إنّ الأقليات المقصودة التي كان عليها أن تصمت هي التي تعيش في المشرق منذ ألفي سنة على الأقل، في لبنان وسوريا ومصر والعراق. فهذه الأقليات ليست نكرة يمكن دوسها وإبعادها وإسكاتها، بل تمثّل دينياً ملايين المواطنين من مسيحيين ومسلمين وإيزيديين، وعرقياً الأرمن والأكراد.
عام 2007، كان سيدنا جورج خضر، مطران جبل لبنان للروم الأرثوذكس، يساعدني في كتاب صدر عن "دار النهار" عنونته "هذا الجسر العتيق". ومما قاله لي: "نحن المسيحيين لسنا بقايا الصليبيين ولا شرّابة خرج". وهو بما قال كان يشير إلى حقيقة أنّ المسيحية المشرقية سبقت الإسلام بستمئة عام، وكانت هنا عشية الفتح العربي في القرن السابع. ثمّ إنّ معركة اليرموك عام 636 لم تنه إمبراطورية الروم كما يشاع، بل استمرّت هذه الإمبراطورية 800 عامٍ بعد ذلك، ولم يستطع الحكام العرب في شمال سوريا اقتحام الأناضول الرومي. استمرّت الإمبراطورية الرومية في الأناضول وفي اليونان وجنوب إيطاليا وصقلية ومالطا وشمال إفريقيا.
والحملات الصليبية لم تكن موجّهة ضد المسلمين بمقدار كانت موجّهة ضد الروم، فكانت حملة الفرنجة عام 1204 التي دمّرت القسطنطينية (إسطنبول) عاصمة الروم واحتلت ما تبقى من ولاياتها وحوّلتها إلى إمارات لاتينية أسوة بإمارات الفرنجة على الساحل السوري - اللبناني - الفلسطيني.
وفي زمننا الحالي تجري أمور يندى لها الجبين، حيث كشفت الأحداث أنّ الكلام عن الأقليات minorities عام 2011 تبعه مجازر وانقسامات عام 2026 حتى كادت مشاكل لبنان تتقزّم أمام فظاعتها. إذ إنّ زمن الانتداب الفرنسي الذي فشل في تحويل بلاد الشام إلى دويلات أقلوية قد عاد بقوّة جراء محاولات توحيد البلاد تحت السلطة الدينية بالسلاح القاتل والقمع. فلم يكن يكفي الحديث عن أنّ "الدولة الدينية" ستحفظ حقوق الأقليات عبر ما يسمى "الذمية". فالأقليات لم تقتنع نتيجة استعمال القوة. ثمّة في المشرق أقليات مسيحية (مارونية وأرثوذكسية وكاثوليكية وكلدانية وأرمنية وقبطية)، وأقليات إسلامية (علوية وإسماعيلية وشيعية ودرزية) وأقليات عرقية (أرمن وأكراد). وهذه الأقليات الدينية والعرقية ليست شرابة خرج ولا تقبل العودة إلى عصور الانحطاط، بل تريد ديموقراطية برلمانية وحريّة فكر تكفل حرية المعتقد الديني واللغوي.
ونعود إلى ما قاله المطران خضر في انتقاده لمحاولات إسكات الأقليات: "لسنا شرابة خرج". فالخِرج في لبنان وبلاد الشام هو ما يضعه المكاري على ظهر حصانه أو بغله لنقل البضائع من مكان إلى آخر، ويكون الخِرج متوازناً بجيبين كبيرين. ثم فقط للزينة يضيف المكاري شرابة مطرّزة على أطراف الخِرج، ولكن يمكن الاستغناء عن هذه الشرابة لأنّها كما يقال بالعامية "ما إلها لزوم". نعم، عادت "السلطة الدينية" ولكن ليس إلى عصر العرب الذهبي كما قلنا، ولا إلى الحكم العثماني الذي رغم سيئاته منح لبنان حكماً ذاتياً وسمح بإحياء المشاعر الدينية واعترف بالملل وظهرت مدن ساحلية كبرى كبيروت وحيفا والإسكندرية وإزمير.
ولذلك يبقى امتحان كل سلطة وأي سلطة، كما شرحنا بالتفاصيل في كتاب "هذا الجسر العتيق" هو كيفية معاملتها للأقيلات.










0 تعليق