نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حاكم مصرف لبنان: بين عدالة الماضي وانتظام المستقبل - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 12:44 مساءً
محمد فحيلي*
من الخطأ المفاهيمي والقانوني تحميل حاكم مصرف لبنان الجديد تبعة الانهيار المالي، لأن الانهيار لم يكن "واقعة" تُنسب إلى يوم أو توقيع واحد، بل مسار طويل من قرارات نقدية ومالية ورقابية تراكمت قبل تعيينه بسنوات: تمويل عجزٍ مزمن، تأجيل الاعتراف بالخسائر، وتطبيع ممارسات استنزفت الاحتياطات وأضعفت قواعد الملاءة والسيولة. المسؤولية عن هذا المسار لا تُقرأ كخصومة شخصية، ولا تُحمَّل بأثر رجعي لمن لم يملك سلطة القرار حينها، وإلا تحولت المساءلة إلى ظلمٍ سياسي وإعلامي يبدّد المعنى القانوني للمحاسبة ويُفقدها عدالتها. لكن هذا التمييز لا يمنح الحاكم الجديد "حصانة زمنية".
فالتعيين في لحظة انهيار لا يجعل الحاكم شاهداً محايداً على الخراب، ولا مجرّد مدير مرحلة انتقالية يكتفي بإدارة الوقت. العكس هو الصحيح: القانون لا يحاسبه على صنع الانهيار، لكنه يحمّله بالكامل مسؤولية إدارة ما بعد الانهيار وفق معيار واضح: ماذا فعل منذ تسلّم المنصب لوقف النزيف وإعادة الانتظام؟ هل ثبّت قواعد شفافة للحقيقة المالية بدل استمرار الضبابية؟ هل أطلق مساراً رقابياً يعيد فرز المصارف القابلة للحياة من غير القابلة؟ هل أعاد وظيفة المصرف المركزي كحارس للنقد والاستقرار بدل أن يبقى أسير ترقيعات موقتة؟ هنا تصبح المسؤولية مسؤولية فعلٍ وامتناعٍ: فعلٌ بإطلاق الإصلاحات اللازمة، وامتناعٌ عن إعادة إنتاج سياسات الإخفاء والتأجيل نفسها.
بكلام أدق، لا يجوز محاكمة الحاكم الجديد على ما لم يرتكبه، لكن يجوز، بل يجب، محاكمته على ما سيفعله أو لن يفعله الآن. فالمرحلة الحالية لا تحتاج "خطاباً يشرح الماضي" بقدر ما تحتاج "سلطة نقدية تعيد بناء المستقبل": إصلاح رقابي، سياسة نقدية قابلة للتنبؤ، وقطاع مصرفي أصغر عدداً لكنه قادر وظيفياً على تمويل الاقتصاد الحقيقي. عندها فقط تصبح العدالة جزءاً من مشروع استعادة الثقة، لا بديلاً منها ولا غطاءً لتأجيلها.
أولاً: ما الذي يحاكيه كلام الحاكم من واجباته القانونية؟
كلام حاكم مصرف لبنان الأخير يتقاطع بوضوح مع جانب أساسي من مسؤولياته القانونية. ملاحقة الاختلاس، التبديد، والإثراء غير المشروع، والدفاع عن موجودات المصرف واحتياطاته في الداخل والخارج، وتفعيل المسار القضائي لاسترداد الأصول، كلها تدخل في صلب واجب حماية سلامة النقد والنظام المالي.
كذلك، فإن التشديد على سيادة القانون ورفض ثقافة الإفلات من العقاب يشكّل رسالة ضرورية في بلد انهارت فيه الثقة بالمؤسسات... وتبقى العبرة في التنفيذ!
هذا المسار القضائي ليس خياراً سياسياً، بل واجب قانوني. فالأموال العامة وأموال المصرف المركزي ليست تفصيلاً، واستعادتها شرط لأي حديث جدي عن حقوق المودعين أو إعادة تكوين السيولة.
ثانياً: أين تبدأ مسؤولية الحاكم الجديد فعلياً؟
غير أن قانون النقد والتسليف لا يختصر دور الحاكم بالملاحقة بعد وقوع الضرر. فالمسؤولية الأساسية للحاكم الجديد تبدأ من إعادة الانتظام إلى القطاع المالي، لا من الاكتفاء بتوصيف الماضي أو محاكمته. إعادة الانتظام تعني:
إعادة بناء وظيفة الإشراف المصرفي الوقائي، لا الاكتفاء بالرقابة اللاحقة. ضبط المخاطر النظامية ومنع إعادة إنتاج نموذج الانهيار. إعادة تعريف العلاقة بين المصرف المركزي والمصارف التجارية والدولة على أسس قانونية واضحة. إدارة السياسة النقدية بما يخدم الاستقرار، لا إدارة الوقت بانتظار الحلول السياسية.
وهنا، يصبح الخطر في أي كلام رسمي أن يتحول الحاكم إلى "مدّعٍ عام مالي" فقط، فيما يتراجع دوره كحارس للاستقرار النقدي والمالي. العدالة ضرورية، لكنها ليست بديلاً من الحوكمة.
مصرف لبنان (وكالات)
ثالثاً: التمييز الحاسم بين مسؤوليتين
النقطة الجوهرية التي يجب تثبيتها هي التمييز بين نوعين من المسؤولية:
مسؤولية التسبب بالانهيار: وهي تقع على من صاغ السياسات السابقة، وسمح بتآكل الاحتياطات، وغضّ النظر عن الاختلالات البنيوية. مسؤولية إدارة ما بعد الانهيار: وهي مسؤولية الحاكم الحالي بالكامل، بحكم القانون والمنصب.
هذا التمييز ليس تبرئة ولا إدانة، بل شرط للعدالة. فمن دونه تتحول المساءلة إلى ظلم، أو تتحول الشفافية إلى حصانة مقنّعة.
رابعاً: عودة الانتظام ليست شعاراً، بل فرزٌ وإعادة وظيفة
عودة الانتظام المالي لا تُقاس بعدد الدعاوى القضائية وحدها، بل بقدرة الحاكمية الجديدة على إعادة بناء قطاع مصرفي وظيفي يخدم الاقتصاد الوطني ويعيد تشغيل الوساطة المالية. وهذا يقتضي وضوحاً صارماً: الهدف ليس إعادة تعويم كل المصارف، بل إعادة إطلاق عددٍ كافٍ من المصارف القادرة، تلك التي تملك الموارد والحوكمة والملاءة للعودة إلى العمل الطبيعي وفق معايير قابلة للتدقيق. فالانتظام الحقيقي يبدأ عندما تستطيع الحاكمية الجديدة أن:
تعيد انتظام ميزانيات المصارف عبر الاعتراف بالخسائر، وتقييم الأصول بواقعية، وإقفال فجوات الرسملة بدل تغطيتها بالمحاسبة الشكلية. تستعيد وظيفة الوساطة المالية: تحويل الودائع إلى ائتمان منتج، وتمويل الشركات القابلة للنمو، لا تمويل العجز ولا تدوير المخاطر. تعيد الاعتبار الى قواعد الملاءة والسيولة وإدارة المخاطر كمعايير حاكمة، لا كشعارات؛ أي مصرف لا يحقق الحد الأدنى منها لا يمكن أن يبقى جزءاً من النظام. تخلق بيئة نقدية قابلة للتنبؤ تدريجاً: قواعد واضحة، شفافية في السياسة النقدية، وإشارات مستقرة تقلّص حالة الـ "لايقين" التي تخنق الاستثمار.
في قلب ذلك كله تقع مهمة إضافية لا مهرب منها: فرز المصارف بحسب قدرتها على العودة، وهي من أولى مسؤوليات مصرف لبنان. هناك مصارف، يجب تصفية غير القادرة منها أو غير القابلة للإصلاح، ومصارف أخرى تحتاج إلى دعمٍ مشروط (رسملة، دمج، إعادة هيكلة) في مقابل التزام صارم لخطة إنقاذ قابلة للقياس. دور حاكم مصرف لبنان هنا ليس الحياد بين الجميع، بل التفريق بين القابل للحياة وغير القابل، والتعامل مع كل فئة بما يناسبها، لأن إحياء النظام لا يتم بإبقاء كل شيء قائماً، بل بإعادة بناء ما يمكن أن يعمل. التنازل عن هذه المسؤولية للسلطة السياسية لا يبشر بالخير!
القضاء يستعيد الحقوق ويلاحق الجرائم، لكن السياسة النقدية والرقابية الرشيدة تمنع ضياعها مجدداً وتمنع أيضاً إعادة إنتاج قطاع مصرفي "كبير بالعدد، عاجز بالوظيفة".
الحاكم الجديد ليس مسؤولاً عن الانهيار، لكنه مسؤول عن ألا يتحول الانهيار إلى حالة دائمة. ملاحقة الفساد واجبة، لكنها ليست نهاية الطريق. نهاية الطريق هي إعادة الانتظام، واستعادة الثقة، وإعادة تعريف دور مصرف لبنان كمؤسسة سيادية تحمي النقد، وتنظّم القطاع، وتمنع تكرار الكارثة. هنا فقط، يصبح الخطاب القضائي جزءاً من رؤية متكاملة، لا بديلاً منها.
*باحث لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت










0 تعليق