نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من الريال إلى الحرية: تحول مطالب الاحتجاجات الإيرانية - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 06:46 مساءً
تشهد الاحتجاجات الإيرانية الحالية تحولاً نوعياً وجوهرياً في مسارها وطبيعة مطالبها، مما يشكل تحدياً متصاعداً لـ النظام الحاكم.
فما بدأ كحركة احتجاجية عفوية، تعبيراً عن غضب الشارع الإيراني من التدهور الحاد في الوضع المعيشي وانهيار قيمة العملة الوطنية (الريال)، تحول بسرعة مذهلة إلى موجة شعبية عارمة ترفع شعارات تطال شرعية النظام الحاكم برمته.
لقد تجاوزت هذه الاحتجاجات الإيرانية المرحلة التقليدية للتركيز على المطالب الاقتصادية البحتة، لتصبح ظاهرة سياسية واجتماعية شاملة تنادي بالحرية والكرامة والتغيير الجذري في هياكل الحكم. هذا التحول الخطير، من وجهة نظر النظام، يعكس عمق الأزمة واتساع الهوة بين الدولة ومجتمع لم تعد التنازلات الجزئية أو الوعود الاقتصادية كافية لامتصاص غضبه المتراكم عبر سنوات.
تنازلات رمزية في مواجهة غضب جذري
في محاولة واضحة لاحتواء هذا الغضب المتصاعد وكسر حدة التحدي، لجأت السلطات إلى تقديم تنازلات رمزية في مجالات كانت تعتبر حتى وقت قريب خطوطاً حمراء غير قابلة للمس، وأبرزها التخفيف الملحوظ والمتسامح نسبياً في فرض الحجاب الإلزامي على النساء في الفضاء العام. هذا التنازل، رغم رمزيته، يعد اعترافاً ضمنياً من النظام الحاكم بحجم الضغط الشعبي الهائل، ومحاولة ذكية لتقديم "صمام أمان" اجتماعي وهامش حرية ظاهري، أملاً في تهدئة الشارع الإيراني المتعطش لأي مكاسب. ومع ذلك، تشير جميع الدلائل إلى أن هذه الخطوة غير كافية بل ومتأخرة، فالشارع لم يعد يبحث عن تراخٍ في فرض الحجاب الإلزامي، بل يتطلع إلى قلب المعادلة كاملة.
لقد أصبح فصل المطالب الاقتصادية عن المطالب السياسية والحريات العامة العامة مهمة مستحيلة في ظل الوعي الجمعي المتصاعد لجماهير ترفع شعارات مثل "الموت للديكتاتور" و"حرية"، والتي تستهدف النظام في صميم شرعيته الأيديولوجية.
لقد تحولت الاحتجاجات الإيرانية من حدث عابر إلى مرآة تعكس شرخاً وجودياً عميقاً بين شعب، غالبيته من الشباب، يطالب بحقه في تقرير المصير وبحياة كريمة، ونخبة حاكمة تعيش في حالة إنكار وتحاول يائساً الحفاظ على سلطتها عبر مزيج غير متجانس من القمع الأمني والوعود التلطيفية.
إن استمرار هذه الموجة الاحتجاجية بهذا الزخم والتوجه الواضح يشير إلى أن شرعية النظام الحاكم تواجه اختباراً مصيرياً هو الأخطر منذ عقود. التحدي الأكبر أمام الشارع الإيراني لم يعد محصوراً في قضايا اقتصادية معزولة، بل تحول إلى معركة شاملة على الهوية والسيادة والحق في المستقبل.
لقد نجحت الاحتجاجات الإيرانية المتعاقبة في تحويل شرارة المطالب الاقتصادية البسيطة إلى نار سياسية متقدة، تضع النظام الحاكم أمام خيارين مرَّين: إما البدء في عملية إصلاح حقيقية وجذرية تستمع فيها لصوت الشارع الإيراني وتلبي طموحاته، أو التمسك بمزيد من التصلب والانكفاء مما قد يزيد الوضع اشتعالاً.
مستقبل إيران في الأشهر المقبلة سيتحدد بشكل حاسم بقدرة الاحتجاجات الإيرانية على الحفاظ على زخمها وتماسكها، وفي المقابل، بقدرة النظام الحاكم على التكيف مع حقائق العصر الجديدة أو مقاومتها حتى النهاية، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر غير محسوبة.















0 تعليق