نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
في محبة الدكتور محمد عبد المطلب - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 09:46 مساءً
أبى العام المنصرم أن يفارقنا إلا بفقد شاجٍ حزين، برحيل الناقد الدكتور محمد عبد المطلب في 26 نوفمبر 2025 الذي أثرى ساحة النقد العربيّ بإسهاماته الرصينة، قرابة خمسين عامًا، منذ حصل على الدكتوراه في البلاغة والنقد عام 1978.
ما زلت أذكر له إلى الآن موقفه الحاسم وغيرته على الشعر العربيّ، عندما عارض بصلابة الناقد السعودي الرائد الدكتور عبد الله الغذامي، في المؤتمر الدولي الأول للنقد الأدبي الذي أقيمت فعالياته بدار الدفاع الجوي بالقاهرة عام 2000، عندما أثار «الغذامي» آنذاك عاصفة النقد الثقافي، متحمسا له ومبشرًا به، وطارحا مدخله القرائي الثقافي الصادم للشعر العربيّ، وهو المدخل الذي يفترض وجود أنساق ثقافية «قبحية» مضمرة، تختبئ خلف جماليات الشعر المعروفة من بناء وموسيقى وتصوير.. .إلخ. بل ذهب إلى أن هذه الأنساق المضمرة تتوسل بل لا تمر إلا عبر هذه الجماليات الأدبية. وتأسيسًا على مدخله ذاك، اتهم «الغذامي» الشعر العربيّ بـ«شعرنة» الحياة العربية، وصناعة الطغاة، وتدشين الفحل الأوحد من خلال الإغراق في المديح التملقيّ المتكسب، وعليه تساءل «الغذامي»: المتنبي مبدع عظيم أم شحاذ عظيم.. .؟ ومحملا الشعر العربي المسئولية عن بروز «الأنا» المتضخمة لصدام حسين.. .وهنا سأله الدكتور محمد عبد المطلب سؤالا جوهريا: إذا كان الشعر العربيّ فعلا هو المسئول عن صناعة الطغاة، فمن الذي صنع طغاة الغرب الأوروبي مثل: «أدولف هتلر»، زعيم ألمانيا النازية، و«بنيتو موسوليني» مؤسس الفاشية الذي حكم إيطاليا حكمًا ديكتاتوريا، و«جوزيف ستالين» الذي قتل ما يقرب من عشرين مليونا؟
لم يكن بيني وبين الدكتور محمد عبد المطلب ارتباط شخصيّ، والارتباط الشخصيّ هو أضعف أنواع الارتباط، كما قال نجيب محفوظ، في أحد لقاءاته المتلفزة. وإنما كان الارتباط بمشروعه النقديّ والفكريّ، وموقفه المتوازن من التراث والحداثة، فلا انغلاق مطلقا ولا انفتاح مطلقا. وكثيرًا ما رأينا انحيازًا متعصبا لأحد طرفيْ هذه الثنائية، التي يريد لها البعض أن تكون ثنائية متعارضة، وما ينبغي لها. فالبلاغة العربية والنقد العربيّ لم يكونا يوما حلقة منفصلة أو منعزلة لا تؤثر ولا تتأثر بالتيارات الثقافية الوافدة في عصرها أو العصور التالية لها، كما أن الحداثة ليست نهاية التاريخ وذروة تجليه، وليست حكرًا على عصر دون سواه، وهي - أخيرًا - ليست غربية أوروبية فقط. فظواهر الحداثة - كما يرى الدكتور محمد عبد المطلب - لها طابع مطلق، لا يمكن أن نربطه بمكان أو زمان معين، ومن هنا صحّ أن نوازن بينها وبين موروثنا القديم، على الرغم من محدوديته الزمانية والمكانية.
وبناءً على هذه الرؤية، أقام الدكتور محمد عبد المطلب، جسرًا بين الموروث البلاغيّ القديم والحداثة، فربط بين البلاغة القديمة والأسلوبية الحديثة في كتابه "البلاغة والأسلوبية"، مكتشفا المنبهات الأسلوبية في المباحث البلاغية المعروفة: كالعدول، والتكرار النمطي، والسياق، وسياق الذكر والحذف، وسياق التقديم والتأخير، وسياقات التعريف والتنكير..
وفي قطاع طوليّ عميق، أصّل الدكتور محمد عبد المطلب لقضايا الحداثة عند الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي يمثل ذروة تطور البلاغة العربية، فقد تحولت البلاغة على يديه إلى علم راسخ الأركان، بعد أن كانت مجرد شذرات ونظرات متناثرة. ومن القضايا الحداثية التي أصّل لها الدكتور عبد المطلب في تراث عبد القاهر من خلال سفريه الجليلين: «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»: الأسلوب، والشعرية، والتناص، والمبدع، والمتلقي.
وبهذا الإسهام احتل الدكتور محمد عبد المطلب مكانة بارزة بين زملائه الذين قرءوا التراث البلاغيّ واصلينه بالأسلوبية الحديثة، وفي مقدمتهم الدكتور شكري محمد عياد، ود.لطفي عبد البديع، ود.عبد السلام المسدّي، ود.عز الدين إسماعيل، ود.صلاح فضل، ود.عبد الحكيم راضي، وكل هؤلاء - باستثناءات طفيفة - يمثلون التلمذة الوفيّة، والإضافة المجتهدة للمنهج الذي أرساه شيخ الأمناء الشيخ أمين الخولي (1895م - 1966م) الذي راد هذا الاتجاه، وطبقه في كتابه «فن القول»، الذي بناه على المقارنة بين البلاغة العربية التقليدية، وبلاغة المحدثين، ممثلين - في عصره - في المؤلف الإيطالي «لباريني» في كتابه «الأسلوب الإيطالي».
ولم يقتصر الدكتور محمد عبد المطلب على هذه المقاربات البحثية التي تنقب عن القيم الجمالية الخالدة في كنوز التراث البلاغيّ، ووصلها - توفيقا خلاقا، لا تلفيقا بثوبيْ زور - بقيم الحداثة الغربية الوافدة، وإنما كان متابعًا نشطا دءوبا، وحاضرا حضورا فعالا في قلب المعترك الإبداعي والنقديّ المعاصر: رصدا وفرزًا وتحليلا، بكتبه، التي ستبقى كالصوى الهاديات في مسيرة النقد الأدبي الحديث، مثل: «بناء الأسلوب في شعر الحداثة»، و«قراءات أسلوبية في الشعر الحديث»، و«هكذا تكلم النص»، و«بلاغة السرد النسوي»، و«القراءة الثقافية»، و«اللغة والهوية»، و«العلامة والعلامية» ( السيميولوجيا). وقد احتفى الدكتور محمد عبد المطلب، حفاوة خاصة، بشعراء السبعينيات، فرعى حداثتهم، واحتضن تمردهم الشعريّ، وخصهم بكتابين هما: «تقابلات الحداثة في شعر السبعينيات» و«شعراء السبعينيات وفوضاهم الخلاقة».
تُوجت جهود الدكتور محمد عبد المطلب في البلاغة تأصيلا وتحديثا، وفي النقد الأدبي والثقافي تنظيرًا وتطبيقًا، بتكريمات مستحقة فقد نال جائزة البحوث الممتازة، من جامعة عين شمس 1986، وجائزة مؤسسة البابطين في النقد الأدبي1991، وجائزة مؤسسة يماني في نقد الشعر1994، ووسام فارس من الحكومة الفرنسية1997، والجائزة التقديرية في الفنون والآداب من جامعة عين شمس2006، وجائزة رجاء النقاش (اتحاد الكتاب) 2009. رحم الله الدكتور محمد عبد المطلب.












0 تعليق