نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"قصّة القصّ الطوعي": لماذا قد تتحول شهادات مصرف لبنان إلى مقصلةٍ للمودعين إذا تُركت للسوق؟ - تواصل نيوز, اليوم الخميس 1 يناير 2026 10:43 صباحاً
محمد فحيلي*
في مشروع قانون "الانتظام المالي واسترداد الودائع"، هناك بندٌ يبدو للبعض تقنياً، لكنه في الحقيقة قد يقرر إن كان القانون سيحمي المودع أم سيقوده إلى خسارةٍ "برضاه"؛ إنه بند تسجيل وتداول الشهادات التي سيُصدرها مصرف لبنان، وإتاحة تداولها في بورصة بيروت أو خارجها أو في السوق الثانوية.
هذا ليس تفصيلاً على هامش التشريع. هذا هو المكان الذي يمكن أن تتحول فيه "فكرة الاسترداد" إلى سوقٍ للضغط والاستغلال. فإذا لم تُضبط قواعد التداول منذ اليوم الأول، فسيُعاد إنتاج "القصّ" (Haircut) بلباس جديد: ليس قراراً رسمياً تجرؤ الدولة على تحمّل مسؤوليته، بل خسارة "طوعية" يُدفَع إليها المودع دفعاً تحت ضغط الحاجة.
ليست المشكلة في مبدأ قابلية التداول بحد ذاته. ففي النظريات المالية، قابلية التداول تعني سيولة: بدلاً من أن ينتظر المودع سنوات، يستطيع بيع الشهادة والحصول على جزء من قيمتها فوراً. لكن لبنان ليس مختبراً نظرياً، بل هو بلدُ اختلال قوى، وغياب رقابة فعّالة، وأسواق صغيرة قابلة للاحتكار، ومودعين منهكين اقتصادياً ونفسياً، يبحثون عن أي سيولة لتغطية تعليم أو طبابة أو سكن.
في هذا الواقع، "قابلية التداول" لا تعني سيولة عادلة، بل تعني - في أغلب الأحيان - "سوق خصومات قاسية": المودع يبيع تحت الإكراه، والمقتدر يشتري تحت الامتياز، وما قُصِد فيه نعمة للمودع يتحول سريعاً إلى نقمة!
هنا تماماً يصبح القصّ طوعياً شكلاً لا مضموناً، فمن سيشتري هذه الشهادات في الأيام الأولى؟ ليس المستثمر الطبيعي الذي يقارن العوائد والمخاطر بهدوء، بل اللاعب القادر على جمع سيولة كبيرة بسرعة، والتمركز في سوق ضيقة، وفرض سعر شراء منخفض، ثم انتظار تحسّن ما أو تسوية سياسية أو تعديل قانونيّ ليربح. أما المودع، فسيكون أمام خيار واحد عملياً: "إما أن يبيع الآن بخسارة كبيرة وإما أن ينتظر سنوات لا يملك رفاهية انتظارها". فأيّ "طوعية" في خيار كهذا؟
والأخطر أن النص يفتح الباب من دون أن يذكر الأقفال. فهو يذكر التسجيل لدى "ميدكلير" وإمكانية التداول، ثم هناك سلسلة أسئلة تُطرح ومن دون إجابة عنها: ما الضوابط التي تحكم تداول الشهادات؟ هل يُمكن بيعها فوراً؟ ما إجراءات منع الاحتكار في شرائها؟ كيف نمنع المضاربة؟ كيف تنتقل الملكية؟ وما دور هيئة الأسواق المالية في تنظيم سوق سيُطرح فيها "عدد كبير" من الأوراق المالية؟
جمعية مصارف لبنان. (أرشيف)
غياب الإجابات هنا ليس نقصاً صياغياً، بل هو تهديد مباشر لحقوق المودعين، لأن السوق حين تُترك بلا قواعد... لا تنتظر. السوق تملأ الفراغ بسرعة: تخلق شبكة سماسرة، تُطرح أسعار خصم مهينة، تُدار حملات ترهيب ناعمة ("لن تدفع هذه الشهادات بيعها اليوم أفضل". هذا هو نهج الترغيب والترهيب الذي أعتمد ورافق كل تعميم صدر عن مصرف لبنان في سنوات الأزمة، والمودع كان دائماًُ الضحية)، وتظهر مراكز نفوذ تشتري بكميات كبيرة ثم تفرض شروطها على الدولة، وعلى التنظيم، وعلى التسعير.
ثم تأتي الضربة الثانية: المضاربة. ففي سوق ثانوية غير محكومة، تتحول الشهادة من أداة سداد إلى "ورقة رهانات": تُشرى وتُباع على إشاعات سياسية، أو على تسريبات عن صندوق النقد الدولي، أو على تغيير حكومة، أو على قرب تعديل مادة في القانون. وعندها يصبح مصير حقّ المودع مربوطاً بتقلّبات مزاج السوق، لا ببرنامج سداد عادل وواضح. هذا ينسف فكرة القانون من أساسها: القانون يُفترض أن ينقلنا من الفوضى إلى الانتظام، لا أن ينقل الفوضى من المصرف إلى البورصة.
وهنا نصل إلى الحقيقة التي لا ينبغي تجميلها: السماح بتداول هذه الشهادات بلا تنظيم صارم يعني إنشاء "سوق قصّ موازية"، تُنجز القصّ الذي لم تجرؤ الدولة على التصريح به. فالدولة تقول للمودع: "أعطيناك شهادة"، والسوق تقول له: "سأشتريها منك بربع قيمتها". المودع يوقّع، ليس لأنه اقتنع، بل لأنه مجبر. وهكذا يتحول القصّ من قرار سيادي يتحمل مسؤوليته من اتخذه، إلى عقد إذعان فردي تُلقى مسؤوليته على الضحية نفسها: "أنت الذي بعت". لذلك، إذا كانت الحكومة جادة في حماية المودعين، فالنقاش الحقيقي ليس: هل نسمح بالتداول أم لا؟ بل: هل نملك شجاعة تنظيم التداول قبل إطلاقه؟ لأن إطلاقه دون تنظيم هو قرار ضمني بتسليم حقوق الناس إلى سوق مختلة، معروفة نتائجها سلفاً.
التنظيم المطلوب ليس رفاهية رقابية، بل هو شرط بقاء العدالة. يجب أن تكون هيئة الأسواق المالية في قلب النص وفي قلب التنفيذ، لا على الهامش، لأننا نتحدث عن إصدار "عدد كبير" من الأوراق المالية وإطلاقها للتداول، وهذا أمر لا يحتمل التسيّب أو الاجتهاد.
يجب أن يتحول التداول - إن سُمح به - إلى تداول محكوم بضوابط تمنع الافتراس: شفافية تُلزم الإفصاح عن المشتري الحقيقي، وحدود تمنع التمركز الاحتكاري، وقواعد تمنع المضاربة، وآليات تسوية ومقاصة تقفل أبواب نقل الملكية بطريقة ملتوية أو عبر صفقات "خارج المنصة"، لا تراها الرقابة ولا تُمسك بها الدولة.
لكن الخطر الأكبر ليس في "البورصة" أو "السوق الثانوية" كعناوين فحسب، بل في المسارات الالتفافية التي قد تُشرعن السوق الرمادية داخل الدولة نفسها. وهنا يبرز دور الكتاب بالعدل تحديداً: إذا تُرك نقل ملكية هذه الشهادات ممكناً بوكالةٍ أو بتنازل موثّق لدى الكاتب بالعدل، من دون المرور الإلزامي بمنصة تداول منظّمة، وتحت عين الهيئة الرقابية، فسنكون عملياً قد فتحنا باباً لتداولٍ "قانوني الشكل"، لكنه خارج أيّ رقابة سوقية حقيقية. وعندها، تصبح شهادة المودع مادة قابلة للبيع والشراء في غرف مغلقة، بأسعار خصم قاسية، وبسماسرة يضغطون على الضعيف ويكافئون الأقوى سيولةً ونفوذاً؛ وكأن القصّ تحوّل من قرار مفروض إلى "خيار طوعي" يُدفَع إليه المودع دفعاً تحت ضغط الحاجة.
مصرف لبنان. (غيتي)
لهذا، لا يكفي أن نطالب بضوابط عامة. يجب أن يُذكر صراحة أن أي تنازل أو نقل لملكية، حتى لو وُثّق لدى الكاتب بالعدل، لا يُنتج أثراً قانونياً، ولا يُعتد به ما لم يُسجَّل ويتم عبر آليات سوق منظّمة، وتحت رقابة هيئة الأسواق المالية، وبمتطلبات إفصاح كاملة عن المشتري الحقيقي، ومراجعة حدود التمركز، ومراقبة الأسعار وأحجام الصفقات، وآليات تبليغ تمنع الالتفاف عبر سلاسل وكالات أو واجهات، وإلا سنكون قد سمحنا، من حيث لا ندري أو نتظاهر بأننا لا ندري، بأن تتحول مكاتب الكتاب بالعدل إلى ممرّ آمن لتجارة الحقوق تحت الطاولة، أي إلى ماكينة تحوّل "القصّ" إلى إذعان فردي موقّع، ثم يُقال للمودع لاحقاً: "أنت الذي بعت".
بهذه الصياغة، تصبح الرقابة كاملة الدائرة: السوق منظّمة، الالتفاف ممنوع، ودور الكتاب بالعدل مضبوط ضمن إطار واضح لا يسمح بتحويل التوثيق إلى بديل عن رقابة السوق، بل إلى جزء خاضع لها لا يتجاوزها.
إذا أرادت الدولة فعلاً أن تجعل هذه الشهادات أداة حماية لا أداة قصّ طوعي، فعليها أن تقول للمودع بوضوح: "لن نسمح بأن تُدفع إلى البيع تحت الإكراه". هذا ليس خطاباً عاطفياً، بل هو تصميم قانوني. فالسوق، من دون رقابة، ستُنتج بالضبط ما تخشاه أنت: يصبح القصّ "اختياراً" شكلياً، بينما هو نتيجة ضرورة معيشية. والرسالة لصانع القرار يجب أن تكون قاسية وواضحة: إن إصدار هذا العدد الكبير من الأوراق المالية، وطرحه للتداول من دون دور محدد وفعّال لهيئة الأسواق المالية، هو وصفة مؤكدة لخلق سوق مضاربة قاتلة للمودعين.
أيّ قانون لا يحمي المودع من "قصّ السوق" سيُسقط الثقة حتى لو بدا على الورق كأنه يعيدها. فالمودع لا يعيش في الورق، بل يعيش بلحظة حاجته. وفي تلك اللحظة، ستتقدم السوق عليه إن لم تتقدم الدولة لحمايته. هذا هو الاختبار الحقيقي للنية: هل تريد الدولة إعادة الحق، أم نقل الحق إلى سوقٍ يشتريها الأقوى بسعرٍ يفرضه الأقوى؟
في لبنان، لا يكفي أن نكتب "قابلة للتداول". يجب أن نكتب معها: "قابلة للحماية". من دون ذلك، سنكتشف بعد أشهر أن "القصّ" لم يُلغَ بل أصبح صفقةً يوقعها المودع بيده، وتصفق لها الدولة لأنها تخلّصت من مسؤوليتها.
*باحث مقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت











0 تعليق