نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قطاع الاتصالات في لبنان على مفترق طرق... والتعويل على الهيئة الناظمة الجديدة - تواصل نيوز, اليوم الخميس 1 يناير 2026 04:43 مساءً
للمرة الأولى في تاريخ متابعاته ملفات الفساد في قطاع الاتصالات، أصدر ديوان المحاسبة حكماً نهائياً في 20/11/2025 بتغريم عدد من وزراء الاتصالات السابقين مبالغ كبيرة تجاوزت عشرات ملايين الدولارات، بسبب مخالفات مالية متعلقة بصفقات وإدارات وسوء استخدام أموال عامة خلال فترة تولّيهم الوزارة. وشمل القرار الوزراء السابقين نقولا الصحناوي، وجمال الجراح، ومحمد شقير، وطلال الحواط، وجوني القرم، مع استمرار مراجعة بعض الملفات التي قد ترفع قيمة الغرامات. وقبل ذلك بأشهر، في تموز 2025، صوّت مجلس النواب بأكثرية 88 نائبا على إحالة 3 وزراء اتصالات سابقين هم بطرس حرب والصحناوي والجراح على لجنة تحقيق برلمانية.
في تعليق على القرار، يشير مقرر لجنة الإعلام والاتصالات النائب ياسين ياسين إلى أن "ما صدر عن ديوان المحاسبة ليس مجرد تغريم، بل هو حكم قضائي بسندات تحصيل، بالإضافة إلى حجز راتب 12 شهراً. وقد أبلغ الديوان وزارة المال لتنفيذ الحكم والتحصيل كما يوجب القانون. وهذا الفارق مهم جداً، إذ يعني أننا أمام قرار قضائي واجب التنفيذ، وليس إجراءً إدارياً. هذه خطوة متقدمة في مسار المساءلة في لبنان، أن يُدان وزراء سابقون بناءً على مخالفات موثّقة، وإبلاغ وزارة المال للتنفيذ، بما يؤكد أنّ زمن الحصانة السياسية والإدارية انتهى".
صورة تعبيرية.
وفي ما يخص لجنة الإعلام والاتصالات في المجلس النيابي، يقول ياسين: "اللجنة ليست جديدة على هذه الملفات، وقد حصلنا على المعطيات وحققنا فيها داخل اللجنة وتم النقاش على مستوى واسع مع كل من ديوان المحاسبة وهيئة القضايا، واليوم بعد صدور الحكم القضائي يتعزز دور اللجنة عبر متابعة تنفيذ الحكم لدى وزارة المال. وسابقا، كانت اللجنة قد قامت بخطوات مهمة وبناءة، وتعاملت مع هذه الملفات بجدية، ولكن دائما المطلوب مزيد من العمل والمثابرة. شخصيا كنت واضحا في موقفي ضد الهدر في قطاع الاتصالات، وعبرت عن ذلك في اجتماعات اللجنة".
يشهد قطاع الاتصالات في لبنان لعقود خلت أزمات متعددة مرتبطة بالفساد وسوء الإدارة. وعلى الرغم من وجود هيئة ناظمة، فقد كانت تعمل في شكل محدود، أو بالأحرى شبه مشلول، ولم تكن قادرة على فرض الرقابة الفعالة في قطاع الاتصالات أو حتى ضمان الشفافية في التراخيص والعقود. هذا الواقع فتح المجال أمام ممارسات فساد متكررة، وثّقتها تقارير ديوان المحاسبة، منها تقرير صدر عام 2022. وركّزت كلها على التنافس الوهمي بين عامي 2010 و2020، وكشفت وجود مخالفات واسعة وهدر منهجي للمال العام.
اليوم تتجه الأنظار إلى الهيئة الناظمة الجديدة لقطاع الاتصالات التي تم تعيينها في أيلول 2025، وكيفية تعاملها مع هذا الواقع المليء بالمخالفات والتحديات.
ماذا في استراتيجية الهيئة الناظمة الحالية؟
يعوّل اليوم أكثر من أي وقت على هيئة ناظمة للقطاع، تؤدي دور المراقب وتكون صاحبة الكلمة الفصل في تلزيم أي شركة لتقديم أي خدمة تنضوي تحت قطاع الاتصالات في لبنان، خصوصا مع تشكيل الحكومة الأخيرة التي تبنت شعار "الإصلاح".
"النهار" تواصلت مع الهيئة الناظمة الجديدة عبر البريد الإلكتروني للحصول على أجوبة عن استراتيجية عملها والأطر التي تنوي اعتمادها لضمان الشفافية المالية، وذلك بعد تعذّر التواصل مع رئيسة أعضاء الهيئة والأعضاء، فأتى الرد على الشكل الآتي:
"تلتزم الهيئة المنظمة للاتصالات تطبيق أعلى معايير النزاهة والشفافية والحوكمة الرشيدة في جميع أعمالها، وتعمل ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح يضمن الالتزام الكامل للقوانين النافذة ويعزّز فاعلية الرقابة على جميع الجهات العاملة في القطاع".
وعن الإستراتيجية المعتمدة للعمل بحسب ما ورد في رد الهيئة، فإنها ترتكز على 3 محاور رئيسية:
الوقاية: أي العمل على تعزيز الأنظمة والإجراءات الداخلية للحدّ من أي تجاوزات قبل وقوعها، من خلال تطوير آليات رقابة داخلية فعّالة وتحديث الأنظمة والتنظيمات بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية وتدريب الكوادر على مبادئ النزاهة والحوكمة.
الشفافية: عبر التزام نشر جميع القرارات والتنظيمات والتقارير علنا وبانتظام على الموقع الرسمي للهيئة Tra.gv.lb، واعتماد مبدأ الاستشارة العامة قبل إصدار أي تنظيم جديد، إضافة إلى السعي لاعتماد تنظيم خاص يحدّد آليات واضحة للوصول إلى المعلومات والدراسات التي تستند إليها قرارات الهيئة وإطلاق قنوات تواصل مباشر كقناة تواصل عبر تطبيق "واتساب" لتسهيل التفاعل المباشر والسريع مع المواطنين وأصحاب الشأن.
المساءلة: عبر تطبيق إجراءات واضحة لمتابعة الالتزام وتصحيح أي مخالفات وفق الأصول القانونية والإدارية بالتنسيق مع الجهات الرقابية المختصّة.
حلول سريعة يحتاج إليها القطاع
ليست الهيئة المسؤولة الأولى والأخيرة عن كل ما يحصل في القطاع، ومن غير الجائز تحميلها عبء إصلاحه وحدها، إذ إن على الحكومة فرض واقع مغاير في هذا القطاع عبر انتهاج سياسة واضحة فيه، تتضمن إجراءات سريعة يمكن اتخاذها في أول جلسة وزارية.
في سياق الحلول لهذا القطاع، يشير الخبير في إدارة الاتصالات جبران خوري لـ"النهار" إلى أن "قطاع الاتصالات في لبنان يحتاج إلى حلّ عملي انتقالي ينفذ على المدى القصير بقرار حكومي، من دون الحاجة إلى قانون من مجلس النواب، لتوفير الوقت والانطلاق بعمل القطاع الذي يشكّل مصدر دخل سنوي كبير للدولة، كما يجب الاستفادة من تجربة شركتي MIC1 و MIC2، وهما الشركتان المساهمتان بقرار من مجلس الوزراء دون الحاجة إلى تشريع جديد، باعتبارهما ليستا من المؤسسات العامة. إضافة إلى الاستفادة من تجربة مصرف لبنان – MEA أي نموذج تملّك مصرف لبنان لأغلبية أسهم شركة طيران الشرق الأوسط في مرحلة انتقالية ناجحة قبل إدراجها في بورصة بيروت، والاستناد إلى تجربة شركة "أوجيرو" بموجب القانون رقم 21/1972، حيث تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالين المالي والإداري، ولا تخضع للنظام العام للمؤسسات العامة، مع الإشارة إلى خبرتها الواسعة في إدارة البنية التحتية والبوابات الدولية".
ووفق خوري لا بد من تعزيز الشفافية والرقابة المؤسسية والتمهيد لصندوق سيادي وطني أو شراكة مع القطاع الخاص لتسهيل نقل الأصول إليه لاحقا في حال صدور القانون اللازم، أو تطبيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص عند إقرارها في مجلس الوزراء، وتحفيز التنافس بين المشغّلين عبر إدخال مشغّل ثالث (MIC3) تديره "أوجيرو" وفق مبدأ الفصل الهيكلي لتحسين جودة الخدمة وزيادة المردود.
لا يطرح خوري حلوله هذه من دون التطرق إلى الوقائع التي تستوجب إعادة هيكلة حقيقية للقطاع، ويختصرها بـ"الهدر التقني المتمثل في ازدواجية إنشاء الشبكات والبنى التحتية، ما يؤدي إلى هدر مالي وتشغيلي ويعطل الانتقال إلى شبكات الجيل الخامس (5g)، والبطء في الإدارة والتحديث في mic1 وmic2 لكون السلطة بيد الوزير الذي يجمع بين صفة المالك والمشغل في آن واحد، فضلا عن مشاكل الهدر المالي التي وثقها الديوان".
ولا ينفي أن حل إنشاء شركة وطنية للبنية التحتية لهذا القطاع بغاية تجميع أصول البنية التحتية لشبكات الخليوي وإدارتها ضمن كيان موحد لتقليل الهدر وتحسين الكفاءة سيكون له مرده الإيجابي لناحية خفض الكلفة التشغيلية والتعجيل في إطلاق شبكات الجيل الخامس وتعزيز النموذج التشاركي المعتمد عالميا للبنى التحتية.
رقابة الديوان أساسية
التقارير التي نشرها الديوان ليست توثيقية فحسب، بل لها بُعد قضائي وإداري لكونها المحكمة التي تتولى القضاء المالي في الدولة وتمارس مجموعة من الصلاحيات الواسعة الرامية إلى ضمان سلامة إنفاق المال العام وحسن إدارته.
وعن تفاصيل هذه الصلاحيات تقول رئيسة الغرفة الخامسة (الغرفة المولجة الرقابة على قطاع الاتصالات) القاضية زينب حمود إن "صلاحيات الديوان تنقسم إلى رقابية، إدارية وقضائية واستشارية. الرقابة الإدارية مُسبقة وتُعد "وقائية" بطبيعتها، حيث يمارسها الديوان قبل تنفيذ النفقة أو إبرام العقد، فتخضع جميع الصفقات العمومية (مثل العقود، والاتفاقيات، ومشاريع الأشغال) التي تتجاوز قيمتها حداً معيناً يحدده القانون، لرقابة الديوان المسبقة. وتهدف هذه الرقابة إلى التحقق من مدى قانونية النفقة المقترحة ومدى مطابقتها للقوانين والأنظمة المالية مثل قانون المحاسبة العمومية وقانون الشراء العام.
أما الرقابة اللاحقة الإدارية والقضائية فتتم بعد تنفيذ النفقات وإقفال الحسابات، وتتمثل في التدقيق في الحسابات، ويمكن الديوان، في حال ثبوت تقصير أو مخالفة، فرض غرامات أو إلزام المخالفين إعادة الأموال، كما تسري رقابة قضائية على الموظفين الذين يرتكبون مخالفات مالية منصوصا ومعاقبا عليها في المادة 60 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة. ولا تقتصر هذه الرقابة على الجانب القانوني بل تمتد إلى تقييم "أداء" الإدارات والمؤسسات العامة عبر تقييمه لمدى تحقيق الأهداف، واستخدام الموارد بأفضل طريقة، وتجنب الهدر".
وعن أهمية التقارير التي يصدرها الديوان تجيب حمود: "الديوان يصدر تقريرا سنويا يرفعه إلى مجلس النواب، يتضمن ملخصاً لنتائج أعماله الرقابية، والمخالفات التي اكتشفها، وتوصياته لإصلاح الخلل". أما التقارير المتعلقة بقطاع معين، كحال التقارير التي صدرت عن قطاع الاتصالات، فإنها تنضوي تحت التقارير الخاصة التي يمكن الديوان إصدارها في مواضيع محددة أو قطاعات معينة، وتتضمن توصيات مُلزمة للإدارات المعنية.
بعد هذه التوصيات التي صدرت عن الديوان باتت وصمة الفساد واضحة على قطاع الاتصالات، ولم يعد سرا أن هذا القطاع الذي يفترض أن يكون رافدا للخزينة الوطنية بالمال العام أمسى وكرا للفساد والهدر.
في المحصلة، يبدو أن قطاع الاتصالات في لبنان يقف اليوم عند مفترق حاسم بين استمرار النهج القديم الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه، أو الانطلاق نحو مسار إصلاحي فعلي. فالتجارب السابقة أثبتت أن غياب الشفافية وتداخل المصالح السياسية والإدارية كانا السبب الرئيسي الكامن وراء عدم تطور القطاع. ومع إعادة تفعيل الهيئة الناظمة وتشكيلها الجديد، تبرز فرصة حقيقية لإرساء نموذج حوكمة مختلف يقوم على المساءلة والشفافية والرقابة الفعالة. إلا أن نجاح هذه التجربة لن يتحقق ما لم تُترجم النيات الإصلاحية إلى خطوات عملية واضحة لسد أحد أبواب الهدر وتحويله إلى أحد مداميك النمو الاقتصادي المنتظر.










0 تعليق