الولوج إلى الصميم المجهول في رواية "ماتريوشكا أرواح من قطن" للجزائريّة عائشة بنّور - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الولوج إلى الصميم المجهول في رواية "ماتريوشكا أرواح من قطن" للجزائريّة عائشة بنّور - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 12:03 مساءً


ارتجف التاريخ ارتجافاً شديداً بعائشة بنّور، فأصابها بحمى امتداد الزمن، وأيقظ مشاعرها الوطنيّة المدفونة في طيّات حياتها وفي أرض الجزائر الوطن. واستحكمت لحظات الذاكرة المطلقة عليها فالتهمت الحاضر، وأقفلت باب الذاكرة على الماضي، ومن ثمّ فتحته على رواية "ماتريوشكا أرواح من قطن".

الأدب "الماتريوشكيّ" عند بنّور يغرق القارئ في عمق الأحداث، ويوقظه على آلية سرد يجعله يتأمّل بطبيعة البشر، وبسمو التضحية ومعانيها. وحين يرجع إلى نفسه بعد قراءة الرواية، يشعر بغنى طافح ظاهر في كيانه. هذا الغنى امتلكته بنّور قبل الشروع بكتابة الرواية، فمكّنها من الولوج إلى سرديات التاريخ، فأتاحت للقارئ الاندماج أكثر فأكثر في هذا التفاعل، بين المدن والأحداث. وكان في كلّ صفحة يلوّح منفذ الولوج إلى الخفايا، وإلى الصميم المجهول. فحكايا الكتاب سلالم بعضها لبعض، متداخلة كلعبة "الماتريوشكا"، المشهد الغابر حيّ في الآتي، لا يعتريه أفول.

في مشاهد التاريخ الحاضر في الحفريات، طرحت عائشة بنّور، ذروة الأسئلة ومكمنها من داخل هذا العمل الروائي الذي هو إحدى المحاولات النادرة لنحت التاريخ على الصفحات، بإزميل تحوّل قلماً يختال بنفسه، وهو يطرح سؤال الامتداد الجزائريّ الفينيقيّ وجذوره: "أكيد أيّتها المومياء، أنّ صاحبتك كانت امرأة فاتنة، لا ترهق مساحيق التجميل ملامح وجهها الصبوح... وربما، أيتّها المومياء تعدّدت صاحباتك: أميرة، أو ملكة، أو جارية انتهكت كرامتها على سجادِ ملك يفترشها للمتع." (صفحة 32، 33)

حضرت نصوص بنّور من الماضي، فكانت دهشة الحاضر وغموض المستقبل. فأسرار الصناديق، دائماً تولّد الرهبة في القلوب المذعورة، فكلّ يمضي داخل رأسه والحقيقة غامضة. فبنّور جعلت كلّ سرٍ يخرج من صندوق يرتكب خطيئة العري، إلى حين أصبحت هذه الخطيئة طريقاً إلى الحقيقة، كحقيقة عري الشمس والقمر في صندوقة من صناديق الفضاء الرحب: "كلّ شخص فينا يسكن في صندوقه وحش صغير، يحمله، يُكبِره، ويصوِّره داخل ذاته...وهنا نختلف يا صديقي، وتختلف صناديق ذواتنا المغلقة." (صفحة 38)... "ماتت أمّي الحنّانة، ولم أجد بعد رحيلها سوى بقايا أشيائها مخبّأة في داخل صندوق. واليوم كلما فتحته، شعرت أنني أتحدّث معها، أمي الموشومة الجبين كما كانت، وأوقن انها ما زالت حيّة بين طيّاته." (صفحة 175)

لم تقم نصوص رواية "ماتريوشكا" على التقاطع بين النصوص، بل جاءت هذه النصوص وكأنّها تلد بعضها بتتابعها. فلكلّ مدينة جزائرية زارتها بطلة الرواية، حكاية مجيدة عن نضال ثورة المليون شهيد. أخبار متتالية عن مغاور ومخابئ، وكلّ قصة عن شهيدة أو شهيد، تجعلنا في يقظة على آلية وعي النص بذاته، فكلّ نص قد أكمل النص الذي قبله، وكان امتداداً لما بعده. لذلك امتاز سردها بوصف وحدة النضال ضمن تعدد المدن، وكأنّ كلّ روحٍ من أرواح الشهداء كالقطن الناصع البياض، ينام عليه حلم وطن، ويصحو على فراش واحد من قطن نُدف بواسطة نداء الحرّيّة: "في تلك اللحظة، بدت كلثوم كصورة من ذاكرة قديمة نُسيت بين الأتربة في المدن المهجورة، والأماكن المنسية، على ملامح وجهها يرتسم التاريخ وتتشابك الحضارات القديمة. كأنها امرأة من زمن آخر، تنصت للجدران المتصدعة، تحفظ أسرار الأمكنة وتخبئها كعرائس بلا خيوط، وتقرأ ما لا يُقال على أرواح من قطن." (صفحة 68)

بان الأدب "الماتريوشكيّ" جلياً في وصفها للحبّ المختلف عن جميع العلاقات الغراميّة، فلا هو موجود، ولا هو ضائع، بل في حرز من نفس "كلثوم" بطلة الرواية، وكأنها أخرجت من دواخلها جميع المشاعر الموصوفة في الرواية إلاه. فكان هذا الأدب توصيفاً مجازياً، مستمداً من لعبة "الماتريوشكا" الروسيّة المتداخلة الدمى بعضها ببعض، تخرج دمية وتبقى أخرى: "خلت أنني تخلصتُ من تلك المشاعر الحميمية نحوه. لكن هيهات. هيهات." (صفحة 59)
كلّ قارئ ينهي قراءة رواية "ماتريوشكا أرواح من قطن" لعائشة بنّور، يردد معها ما ورد في الصفحة 173: "الذاكرة لا تنسى.. لا تنسى عار فرنسا في الجزائر."   

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق