نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مصلحة… مسلخة… مسخرة وطن! - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 12:33 مساءً
د. عصام ي. عطالله - أستاذ جامعي، كاتب وباحث
تعود بي الذاكرة إلى سنوات خلت، حين كنّا نتسامر مع الأصدقاء حول مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي، في ظل وعود لا تنتهي كان يطلقها أهل السلطة، ونُحسن – أو نُسيء – تصديقها. كنّا ننتظر تحقيق هذه الوعود كما ينتظر الطفل هديّته في ليلة الميلاد. اليوم، لم يعد اللبناني ينتظر هدية، بل ينتظر ما هو أبسط: كهرباء، ماء، دواء، قضاء، دولة. ومع ذلك، لا يزال الانتظار سيّد الموقف، كأن الزمن في لبنان عالق عند لحظة انهيار دائمة.
لم تعد المشكلة في غياب الوعود، بل في انكشاف الحقيقة كاملة: مَن في السلطة لا يعمل إلا لمصلحته، ولا يرى في الدولة سوى مورد للاستنزاف، ولا في المواطن سوى رقم انتخابي عند الحاجة. وفي المقابل، تُرك اللبناني وحيدًا في مواجهة الانهيار، يُدبّر أموره على طريقته، يهاجر، يتحايل، أو ينسحب بصمت من وطن بات عاجزًا عن حمايته.
هكذا تحوّلت مصالح الطبقة الحاكمة إلى مسلخة فعلية للشعب اللبناني. شعبٌ يُدفَع يوميًا إلى ابتكار وسائل للبقاء في ظل تضخّم غير مسبوق، وانهيار العملة، وتآكل الرواتب، وغياب أي شبكة أمان اجتماعي. أما مَن هم في سدّة المسؤولية، فيتنصّلون من أدوارهم، ويتبادلون الاتهامات؛ هذا يتّهم ذاك بعدم تطبيق القوانين، وذاك يردّ باتهام غيره بالتعطيل، فيما النتيجة واحدة: فساد متجذّر، ولا محاسبة.

والأكثر خطورة أن هذا الفساد لم يعد حالة استثنائية، بل تحوّل إلى ثقافة محمية بنصوص قانونية بائدة، وبمؤسسات مشلولة، وبقضاء مُحاصَر. المفارقة أن السلطة نفسها تعترف بوجود الفساد، وتتحدّث عنه علنًا، من دون أن تجرؤ على المساس بجذوره. وكأن الاعتراف أصبح بديلًا عن الفعل، والخطاب بديلاً عن الإصلاح.
ومن المسلخة ننتقل إلى المسخرة. مسخرة وطن يُدار عبر مسرحيات سياسية متكرّرة: استحقاقات دستورية مؤجَّلة، فراغات تُدار بالتسويات، وحكومات تُشكَّل لإدارة الوقت لا لإدارة الدولة. ومع كل استحقاق انتخابي أو سياسي، يعود الخطاب ذاته عن "دور المواطن في التغيير"، فيما الهدف الفعلي يبقى واحدًا: إعادة إنتاج المنظومة نفسها، بالوجوه نفسها، وبالعقلية نفسها.
يُطلب من المواطن أن يكون شريكًا في التغيير، فيما تُسلَب منه أدوات هذا التغيير: قانون انتخاب عادل، قضاء مستقل، إدارة شفافة، وإعلام غير مُسيّس. يُلام المواطن على خياراته، بينما تُقفل أمامه البدائل. وتستمر اللعبة: تقاسم للمغانم، تشريع للمصالح الخاصة، وهدرٌ ممنهج للمال العام، في مقابل شعارات وطنية فارغة تُستخدم عند اللزوم.
أما القوانين، فهي الحجة الجاهزة لكل فشل. قوانين يعود بعضها إلى ستينيات القرن الماضي، لم يتم تعديلها إلا بما يخدم المصالح السياسية. يستمر الجدل البيزنطي نفسه، وتبقى "قصة إبريق الزيت" عنوانًا للحياة العامة: نقاش بلا قرار، ولجان بلا نتائج، ومهل قانونية تُستخدم للتعطيل لا للتنظيم، في زمن باتت فيه الدول تُحدّث أنظمتها خلال أشهر، ونحن لا نزال نختلف على أبجديات الدولة.
في ظل هذا الواقع، ترسّخت ثقافة الإفلات من العقاب، وتحوّل الوطن إلى مساحة مستباحة، لا مفخرة ولا منارة. وطن يُدار بالأعراف بدل الدستور، وبالتوازنات بدل القانون، وبالصفقات بدل السياسات العامة.
وفي زمن الأعياد، لا يعود الطلب كبيرًا. لم نعد نطلب معجزات، بل نطلب فقط دولة تحترم مواطنيها، شفافية تسمح لهم بمعرفة كيف تُصرف أموالهم، ومؤسسات تعمل لا تتلطّى خلف الأعذار. نطلب أن نعرف من يحاسب من، ومن يقرّر باسم من، ومن يدفع ثمن الانهيار.
فهل نعي، يومًا، حقيقة هذه المنظومة التي تمسك بمفاصل حياتنا، قبل أن تتحوّل المسخرة إلى قدر دائم، ويصبح الوطن مجرّد ذكرى؟








0 تعليق