نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مجمع الدوحة التاريخي يعيد إحياء ذاكرة اللغة العربية - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 01:26 مساءً
يجمع علماء اللغة العربية على أن كتاب "العين" (786م) للفراهيدي، هو المعجم الأول الذي يستحق الصفة المعجمية، على رغم التجارب الأولى التي سبقته في العمل على تدوين ألفاظ القرآن وتفسيرها من غير ترتيب، ثم تدوين اللغة العربية مرتبة في رسائل قصيرة.
ثم أعقب كتاب "العين" كتاب "الألفاظ" (858م) لابن السكيت، ثم "كتاب الجمهرة في اللغة" (933 م) لابن دريد و"أساس البلاغة" (1144) للزمخشري، ثم "لسان العرب" (1311) لابن منظور و"تاج العروس"(1790) للزبيدي... وهلم جرا. وقد بدا واضحا الاختلاف في وجهات النظر بين المعجميين العرب طوال تاريخ التأليف المعجمي، وكانت لكل معجم خصائصه وفرائده، سواء في منهج الترتيب الأبجدي أو في حجم المادة اللغوية، وساعة أو ضيقاً، وفي الغايات المحددة أو المستهدفة، والتركيز على الألفاظ والمعاني، واعتماد الشواهد، والاقتصارعلى الفصيح أو الانفتاح على اللغات الأعجمية والعاميات. ويمكن هنا الإشارة إلى معجم "محيط المحيط" للمعلم بطرس البستاني الذي صدر أولاً في جزءين بين أعوام 1867 و1870.
أما في ما يخص المعاجم اللغوية الجديدة، فيمكن التوقف أولاً عند "المعجم الكبير" الذي عمل عليه اتحاد المعاجم العربية، تحت إشراف مجمع اللغة العربية في القاهرة، وبدأ تأليفه عام 1970، وصدر منه حتى الآن 15 جزءاً 2022، ثم تبعه "معجم فاس"، ثم المعجم التونسي و"المرجع" لعبدالله العلايلي الذي لم يصدر منه سوى جزء واحد، ثم معجم الشارقة.
هذه المعاجم بمعظمها لم تستقصِ ألفاظ العربية كما يجب، ولم تدرج معانيها كلياً. ولم يعنَ معظم هذه المعاجم بترتيب ألفاظ العربية تاريخياً، أي وفق ظهورها في الاستخدام، بغية مساعدة القارئ في معرفة سياقات التطور التاريخي للألفاظ وتطور معانيها، مما يكشف عن تاريخ التطور الفكري والحضاري العربيين. ولعل هذا ما أنجزه معجم الدوحة التاريخي للغة العربية الذي أُنجز وبات في متناول كل القراء، عبر المنصة الإلكترونية.
وسعى معجم الدوحة إلى رصد مراحل تطور الألفاظ والمعاني، وعمد إلى توفير شواهد تؤكد صحتها، عبر حقبات تاريخية وحضارية متواصلة، مما جعله يعين على ردم هوة القطيعة المعرفية بين الماضي والحاضر، هذه القطيعة التي أوجدت انقسامات بين المفكرين والمثقفين في مراحل مختلفة من تاريخ العرب. ويساعد المعجم القراء العرب جميعاً، في فهم لغتهم فهماً صحيحاً، وفي إعادة قراءة النص وتأويله عبر أدوات معرفية راسخة. ويعينهم أيضاً على مقاربة الصواب إزاء الألفاظ والمعاني في السياق الزمني لاستعمالاتها التقريبية التي ظهرت خلالها بمعانيها الأقدم. هكذا يمثل معجم الدوحة توثيقاً تاريخياً عميقاً لمسار الكلمات العربية وتطور دلالاتها عبر ما يقارب 20 قرناً من الزمن.
ولم يضع منهج المعجم قيوداً على الشواهد أو المستعملين أو الألفاظ، أو قيوداً على عضوية الألفاظ والمعاني والشواهد والمستعملين، فشواهده مختارة من كافة الأديان والمذاهب والاتجاهات والمعتقدات، وهي منتخبة من كافة المراحل الزمنية عبر التاريخ، ومصادره ممثلة تمثيلاً زمنياً وجغرافياً ومعرفياً. فالمعيار لرصد هذه الألفاظ وشواهدها هو أقدمية الاستعمال.
وكانت فكرة هذا المعجم انطلقت عام 2013 بإشراف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في العاصمة القطرية. لكن إنجازه تطلب نحو 13 عاماً، وشاركت فيه مجموعة عربية كبيرة من اللغويين والبحاثة والمؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا والإحصاء، عطفاً على المستشرقين. ويضم المعجم مليار كلمة و300 ألف مدخل معجمي و10 آلاف جذر و10 آلاف مصدر في البيبليوغرافيا. وهذه المدونة اللغوية جُمعت من نصوص عربية متنوعة تمتد عبر التاريخ، بدءاً من النصوص القديمة والنقوش، مروراً بالقرآن، والحديث والشعر والنثر، حتى النصوص الحديثة.
وكان الهدف الأساس من المشروع على ما يشير البيان التأسيسي، إعادة بناء الذاكرة التاريخية للغة العربية، أي رصد كل كلمة عربية في سياقها الزمني والنصي، وتوضيح كيف ظهرت المعاني وتحولت مع مرور الزمن، وكيف تأثرت بالعوامل الثقافية والفكرية والاجتماعية.
ولا يهدف المعجم فقط إلى تعريف الكلمات، بل يضعها في إطار تاريخي حقيقي، مما يتيح للباحثين فهم تطور اللغة من أقدم النصوص المكتوبة وصولاً إلى العصر الحديث.
وقُسم تاريخ اللغة في المعجم إلى ثلاث مراحل زمنية رئيسة، الأولى حتى 200 هـ، والثانية من 201 هـ إلى 500 هـ، والثالثة من 501 هـ حتى العصر الحديث، مع تقسيمات فرعية دقيقة داخل كل فترة.
ولا يقتصر المعجم على الكلمات الفصحى التقليدية فقط، بل يشمل جذوراً لغوية كانت غير موثقة في المعاجم السابقة، ومفردات دخيلة (أعجمية) استخدمت في العربية، ودلالات جديدة لم تكُن معروفة سابقاً، مما يعطي صورة أوسع وأعمق عن ثراء العربية وديناميكيتها عبر الزمن.
جانب من حفل إطلاق المعجم.
واستخدم المشروع تقنيات بحث لغوي متقدمة وقواعد بيانات لتسهيل عملية التجميع والتحليل، مما جعله يدخل مشاريع اللغة في عصر الذكاء الاصطناعي، ويمكن استخدامه لاحقاً في تطبيقات مثل نماذج اللغة والترجمة الآلية والتحقق الإملائي.
ومن أهم إسهامات معجم الدوحة التاريخي أنه يظهر العربية بوصفها لغة متحركة ومتطورة، لا منظومة جامدة كما يُخيل أحياناً. فالكلمات تتغير مع تغير أنماط العيش، وتتحول مع التحولات الفكرية والعلمية، وتستعير وتُعرب وتبتكر.
ويكشف المعجم عن ألفاظ اندثرت، وأخرى تغير معناها جذرياً، وثالثة احتفظت بجوهرها الدلالي عبر قرون طويلة، في شهادة نادرة على مرونة العربية وقدرتها على الاستمرار.
وعلى رغم انشغاله بالماضي، فإن معجم الدوحة التاريخي سيسعى الى تطوير تطبيقات لغوية حديثة وإلى تعزيز حضور العربية في مجالات الذكاء الاصطناعي والمعالجة الآلية للغات.
ويعيد معجم الدوحة للعربية ما افتقدته طويلاً، ذاكرتها التاريخية الدقيقة. فاللغة، في هذا المشروع، لا تقدم بوصفها نظاماً جامداً من التعاريف، بل ككائن حي عاش وتحول وتفاعل مع التاريخ.
ينطلق المعجم من تصور حديث للمعجم التاريخي، يربط بين اللفظ وسياقه الزمني والنصي، ويعتمد التوثيق التاريخي الدقيق للشواهد، ويعتمد تقسيماً زمنياً يسمح بتحليل التحولات الدلالية في ضوء المتغيرات الثقافية والاجتماعية والفكرية، مما يميزه عن المعاجم التفسيرية التي تتعامل مع اللغة بوصفها بنية ساكنة.
وتكشف المادة المعجمية عن دينامية التطور الدلالي للألفاظ العربية وتداخل العوامل الثقافية والتاريخية في تشكيل المعنى. ويمثل معجم الدوحة التاريخي مرجعاً أساساً لدارسي اللسانيات التاريخية وتحقيق النصوص والدراسات الأدبية والفكرية، ويشكل قاعدة بيانات قابلة للتوظيف في مجالات المعالجة الآلية للغة العربية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
يمكن القول إن معجم الدوحة التاريخي لا يكتفي بتوثيق تاريخ العربية، بل يؤسس لتحول نوعي في الوعي اللغوي العربي، ينقل البحث من وصف المعنى إلى تحليل تاريخه، ومن حفظ اللغة إلى فهم آليات تطورها.
وينتظر من هذا المنجز الحضاري أن يمثل مرجعية شاملة للغة العربية ومؤسسات المجتمع العربي، لضبط وتوحيد لغة القانون والتعليم والإعلام والاقتصاد والسياسة، وأن يكون منصة عالمية للانتفاع من المعجم ومن مدونته المهيكلة المرقمنة المربوطة بالتاريخ والمصادر، وللإفادة منه في إعادة توصيف برامج اللغة العربية خصوصاً، والعلوم الإنسانية الأخرى عموماً، وتحديثها في جميع مستوياتها.
ومعجم الدوحة التأريخي للغة العربية معجم مؤسس لنهضة لغوية عربية شاملة، فهو يوفر أرضية لغوية صلبة لقراءة جديدة لنصوص تراثنا المعرفي العربي، مبنية على فهم اللفظ في سياقه التاريخي، بعيداً من الإسقاط وانحراف التأويل، ويتيح أيضاً تدشين مشاريع بحثية في علوم اللغة وفي أسباب التطور الدلالي وقوانينه، واستخلاص معاجم لغوية متنوعة، كمعاجم المصطلحات بحسب العلوم والمعارف والفنون، ومعاجم الأبنية واللغات، ومعاجم المعاني، وغيرها. وعلاوة على ذلك، هو معجم يسهم بألفاظه الموثقة وشواهده المضبوطة في تصحيح نصوص من التراث العربي القديم اعتراها التصحيف والتحريف.
أما أهم المعالم المحددة لهوية هذا المعجم، فتتجلى في النقاط الآتية:
1- هو معجم لغوي تاريخي للعربية يجمع ألفاظها المستعملة في نصوصها المطبوعة من أقدم استعمال لها، وأياً كان مكان استعمالها الجغرافي، فيتضمن "ذاكرة" كل لفظ من ألفاظها، ويسجل تاريخ استعمال بدلالته الأولى، وتاريخ تحولاته البنيوية والدلالية، وتحولات استعمالاته.
2- هو معجم مفتوح، ذلك أنه لا يدعي، وما ينبغي له أن يدعي، أنه أحاط بألفاظ اللغة العربية، مبانيها ومعانيها، منذ بدايات استعمالها حتى عصرنا الراهن. فليس ثمة شك في أنه قد تكون فاتته ألفاظ ودلالات في نصوص، ونقوش لم يصل إليها صانعو المعجم على رغم جهد التقصي والتحري. وسيكون المعجم مفتوحاً على استدراك تلك الألفاظ والدلالات الفائتة، إذ لا يمكن لمعجم تاريخي للغة العربية أن يكون مكتملاً ابتداءً.
3- هو معجم نسقي يخضع لضوابط الصناعة المعجمية المعاصرة المرتبطة بالتطورات الراهنة في علم المعجم ونظرياته، فهو يقدم المعلومات عن الألفاظ في مداخلها المعجمية بطريقة موحدة ومنظمة.
4- هو معجم تفاعلي موثق وموثوق، إذ تنشر مواده عبر بوابة إلكترونية تسمح بتفاعل جمهور المتخصصين، واستقبال التغذيات المرتجعة، وتسمح بتقديم خدمات معجمية كثيرة كالبحث في الببليوغرافيا وفي السياقات وفي المدونة النصية، وبتقديم مصادر المعجم النصية والنقشية والتأثيلية. وجميع المعلومات المقدمة فيه موثقة علمياً، فليس ثمة لفظ من ألفاظه إلا ويرد مصحوباً بدليل على استعماله في شاهد نصي مؤرخ وموثق، يعكس واقع اللغة العربية الحي. وهو لا يعتمد اللفظ إلا إذا تأكد من مصدره ومن سلامته من التحريف والتصحيف.












0 تعليق