تآلف الأضداد في ديوان "طَرق على باب مفتوح" لرنا يتيم - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تآلف الأضداد في ديوان "طَرق على باب مفتوح" لرنا يتيم - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 5 يناير 2026 09:33 صباحاً

"طرق على باب مفتوح"، عنوان ديوان لرنا يتيم، يشي بقصائد ملغومة بالمجهول، تستدعي قارئاً متسلّحاً بذائقة الإصغاء، مستسلماً للصمت القادم من بوح قادر على اقتناص أعلى درجات لذّة الفكر.

قصائد تستدعي القارئ إلى حلمها بالموائد، فتستعيد صرخة المدن والعشّاق، كأنّها قناني خمر افتراضيّة تمنعه من الهبوط إلى عالم النسيان. فتتيقّظ الأحاسيس، وتستدرجه العناوين نحو معارج الحواس، وكأنّ هذا الاستدراج يبدأ من كلّ كلمة في الديوان، وينتهي عند صوت المعاني الذي هو غاية الاصغاء، تعبيراً عن بلوغ لذّة القراءة.

يبقى القارئ مشدوداً إلى حبال القصائد، حيث يتآلف الضدّان في القصيدة الواحدة، ويتماهى هول يعصف بالطفولة ويتمجّد مع الحبّ: "أطفال المدينة/ كتبوا وصيّة دفنهم المؤجّل/ ومنحوا أجسادهم كفناً مزخرفاً/ رغبة في شتات لائق... تستحضرُ رُسُل العشق بلا روحي/ تستدرجني تعاويزها/ المتوارية في جوهر مرايا/ إلى وليمة معتّقة/ بمعصية من نبيذ عناق وقُبَل." (صفحة 10، 11)

وحيدة رنا يتيم، تصارع المسافات بين جهاد المدن واستشهاد الأبطال، وكأنّه استدعاء للشعراء إلى الخروج من أسوار قصائد الحبّ، من أجل مرثية مدائن احتلّتها المكائد، وانسلّ إليها العبث، سائراً وعيناه مفتوحتان على خفقان الشوارع والسّاحات: "المدينة الثكلى/ تتهجّى سيرتي/ تُحمّلني أنين المشهد/ ووِزر العتمة". (صفحة 19)

يموج الشوق العاصف في قصائد الديوان، خارج مواعيد الزمن، وتغفو أمانٍ خلف جدران ترقب أبواباً غير موصدة. أقفالها ملّت انتظار مفاتيحها في الصمت المدقع، وحزن العزلة يمتدّ في الأرجاء: "ها أنا أختلس حكمة العمر/ وأغلق النوافذ والزمن/ من هنيهات يمضغها الإنتظار/ وأدخل خيبتي/ على أبواب مُواربة/ لا تستهويها رعشة الأقفال." (صفحة 35، 36)

المرأة العاشقة أجمل نساء الأرض، تعبر علانية عتبة القرن، إلى ضفاف عصر السرعة نحو عناق مؤجّل. وتبقى الابتسامة حارسة المشاعر على شرفة الوقت الضائع. فهل تعبر الابتسامات من ألفيّة إلى أخرى نحو الشغف المجنون، مع قليل من الأمس والكثير من الغد؟: "نحن نساء الألفيّة الثالثة/ لدينا ساعات كثيرة/ لكن لا وقت لدينا/ لابتسامة عابرة". (صفحة 39)

ما أشقى الشعراء في ركضهم إلى السراب المتواصل، وهم غافلون عن السجن الكبير حولهم! فهل أنّ الحياة في مكان آخر تعشقنا، ونعشق من يعيشها. كيف التقطت يتيم فكرة طائشة، مِمَّن ينشد الحياة ابتداعَ معنى من الوهم؟: "أحاول أن/ ألتقط فكرة/ تركها الراكضون/ إلى الحياة". (صفحة 60)

تتعرّى الأرصفة من العابرين، فلا تخدش عذريّة الحواس إلاّ الظنون التي تصبو مع الأحلام، إلى عناق صاخب لرعشة شاردة بصمت تحت السماء. ويبقى نبض العاشقة زاهداً في القلوب التوّاقة إلى الانعتاق من بركان نائم قبل القوافي: "على رصيف المعنى/ تقرأ أكف الصمت/ تجمع ضجيج الفراغ/ في قوافي الظنون".(صفحة 67)

عندما ينجلي غمام الاشتياق عن قلوب، كحبوب حنطة عُجنت مع الحبّ للرغيف، تلوّن النار الوجوه الطيّبة التي تروي الحكاية من دون كلمات. ويقطف العشّاق من أنفاس القُبل رياحين معطّرة على مساكب اللقاء المجنون: "لارتعاش أنفاسك/ ثرثرة النار/ تُنْضِجُ رغيف البوح/ في مساكب اللهفة." (صفحة 86)

كم اشتهت العاشقة أن تغفو على نغمات نبضات الحبيب، واحتفظت بها نبضاً في قلبها؟ وإذا سألوها عن الشوق تكتفي بوصف بحر عينيه: "أنا امرأة/ تتوضأ/ بماء الشوق/ تولّي قلبها/ شطر عينيك/ قِبْلَة ترضاها/ كي تُقيم/ العشق معك." (صفحة 91)

صوّرت رنا يتيم في ديوان "طَرق على باب مفتوح"، المدن كمجرّات مهجورة، والعشّاق ككائنات سماويّة، خارجة من زمن القرن الواحد والعشرين، تصبو للحنين وللعشق والتضحية. وبعيداً من الفلسفة الساخرة، كانت شاعرة باكية، فالفيلسوف يرى الحقيقة ويسخر منها، والشاعر يصفها بأحاسيس من دون خداع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق