متحف التحرير.. ذاكرة لا يجوز أن تُهمَل - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
متحف التحرير.. ذاكرة لا يجوز أن تُهمَل - تواصل نيوز, اليوم السبت 17 يناير 2026 01:57 مساءً

شاهدتُ مؤخرًا مقطع فيديو يُظهر قاعات المتحف المصري بالتحرير شبه خالية تمامًا من الزوار، مشهد يثير الدهشة والشجن في آنٍ واحد، ليس فقط لفراغ القاعات، بل لما يمثله هذا المتحف من قيمة تاريخية وإنسانية لا تُقدَّر بثمن.

 

فالمتحف المصري بالتحرير ليس مجرد مبنى يضم آثارًا، بل هو ذاكرة وطن، وأول نافذة كبرى أطلت منها الحضارة المصرية القديمة على العالم.

 

لا خلاف على أن افتتاح المتحف المصري الكبير إنجاز حضاري ضخم يليق بمكانة مصر وتاريخها، لكن هذا الإنجاز لا ينبغي أن يكون على حساب متحف التحرير، ولا أن يتحول إلى سبب غير مباشر لإهماله أو إخراجه من المشهد السياحي والثقافي، فالعلاقة بين المتحفين يجب أن تكون علاقة تكامل لا تنافس، واستمرارية لا إقصاء.

 

متحف التحرير يتمتع بموقع فريد في قلب القاهرة، تحيط به الفنادق الكبرى، ويعبر جواره آلاف السياح يوميًا، ومع ذلك لا يبدو أن هناك جهدًا كافيًا لإعلام هؤلاء الزوار بإمكانية دخوله أو بأهمية ما يحتويه من كنوز نادرة لا تزال معروضة بين جدرانه، فمجرد لوحات إرشادية واضحة في الشوارع المحيطة به، أو تنويه من الفنادق وشركات السياحة القريبة، كفيل بإعادة جزء كبير من الحركة إليه.

 

كما أن إعادة الروح إلى المتحف لا تقتصر على العرض التقليدي للآثار، بل يمكن تحقيقها عبر تنظيم فعاليات ثقافية وفنية، مثل الندوات التاريخية، أو الأمسيات الموسيقية الهادئة المستوحاة من التراث المصري، وإقامة معارض مؤقتة تسلط الضوء على قطع بعينها وقصصها الإنسانية.

 

ومن الأفكار الجيدة أيضًا إتاحة الدخول المجاني أو الرمزي لطلبة كليات الفنون الجميلة والفنون التطبيقية، وتشجيعهم على ممارسة الرسم والتصوير داخل قاعات المتحف في أوقات محددة، مثلما يحدث في متاحف إيطاليا وفرنسا، فالمتحف يمكن أن يكون مرسمًا حيًا، تتلاقى فيه عبقرية الماضي مع إبداع الحاضر، ويخرج منه جيل جديد يستلهم فنه من حضارته الأصيلة.

 

إن إهمال متحف التحرير لا يعني فقدان مبنى أثري فحسب، بل يعني تراجع جزء من هوية القاهرة الثقافية، وقطع صلة الأجيال الجديدة بمكان شكّل وعي ملايين الزوار والمصريين لعقود طويلة والحفاظ على المتحف وتطويره رسالة وفاء للتاريخ، وتأكيد على أن مصر لا تستبدل ذاكرتها، بل تضيف إليها.

 

ومن الأفكار التي قد تساهم في إعادة إحياء متحف التحرير، إصدار تذكرة مشتركة تشمل المتحف المصري بالتحرير والمتحف المصري الكبير بسعر تشجيعي، وتنظيم برامج سياحية تبدأ بمتحف التحرير كمدخل تاريخي، وتنتهي بالمتحف الكبير كرؤية معاصرة للحضارة.

 

كما يمكن إتاحة الدخول المجاني أو بتصريح خاص لطلبة الفنون الجميلة والتطبيقية لممارسة الرسم والدراسة الميدانية، وإضافة شاشات تفاعلية ووسائل شرح رقمية متعددة اللغات.

 

وقد يكون من المجدي فتح المتحف ليلًا في أيام محددة مع فعاليات ثقافية خفيفة وإشراك طلاب الجامعات وتنظيم ورش عمل ومحاضرات بالتعاون مع كليات الآثار والفنون.

 

من الضروري أيضا إعادة تقديم المتحف عبر منصات التواصل الاجتماعي من خلال قصص إنسانية عن القطع الأثرية، كذلك تخصيص قاعات لمعارض دورية تركز على موضوعات محددة من الحضارة المصرية.

 

في النهاية لا تخرج هذه الأفكار من باب النقد بقدر ما تنبع من باب حب هذا الوطن الذي علّم العالم معنى الحضارة، ووهب الإنسانية أولى لغاتها وفنونها وعلومها ، فمتحف التحرير ليس مجرد مبنى عتيق، بل قلب نابض من قلوب مصر، يحمل بين جدرانه حكايات الأجداد وأحلام الأجيال ، والدفاع عنه، والسعي لإعادة رونقه، ليس واجبًا رسميًا فحسب، بل هو دليل انتماء صادق، ورسالة وفاء لبلد نستمد منه هويتنا وقوتنا. 

 

هذه الكلمات كُتبت حبًا في مصر، وإيمانًا بأن ما نملكه من كنوز يستحق أن يظل حيًا، مرئيًا، ومفتوحًا لكل من يريد أن يعرف لماذا كانت مص وستظل مختلفة وعالية القدر على مر الزمان.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق