نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مصر تمسك بمفتاح المرحلة الثانية في غزة: من وقف النار إلى بناء الدولة - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 يناير 2026 06:15 مساءً
في لحظة إقليمية مزدحمة بالدم والرماد، اختارت القاهرة أن تمسك بالخيط الأخير الذي يمنع سقوط غزة في الفراغ. استضافة مصر للاجتماع الأول للجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة القطاع ليست مجرد خبر دبلوماسي؛ إنها إعلان عملي بأن السياسة، حين تُدار بعقل الدولة، يمكن أن تُزاحم المدافع وتفتح نافذة نجاة في جدار مسدود.
من يقرأ المشهد بعين التحليل يدرك أن ما فعلته مصر يتجاوز دور “الوسيط” إلى دور “المُهندس”. فالقاهرة لم تكتفِ بتجميع الأطراف، بل صاغت إطارًا قابلًا للحياة: لجنة تكنوقراط فلسطينية، مرحلة انتقالية واضحة، تنسيق دولي مع واشنطن، ومظلّة عربية ضامنة. هذه ليست إدارة أزمة؛ هذا تصميم مسار.
الثابت أن مصر دخلت المرحلة الثانية من خطة السلام بقاعدة أخلاقية وسياسية صلبة: حماية المدنيين، رفض التهجير، وإعادة الإعمار كمدخل للاستقرار لا كمكافأة مؤجلة. وحين يتحدث المبعوث الأمريكي عن نشر قوة للاستقرار، والانسحاب، والتعافي المبكر، فإن ذلك لا يأتي من فراغ؛ بل من هندسة مصرية ربطت السياسة بالإنسان، والهدنة بإعادة الحياة.
دعم واشنطن للجنة التكنوقراط، وإعلان ترامب اقتراب الكشف عن «مجلس السلام»، يكشفان حقيقة بسيطة وهي أن العالم يحتاج إلى مصر عندما يريد حلولًا لا بيانات. فالقاهرة وحدها تمتلك المزيج النادر من الشرعية الإقليمية، والقدرة على مخاطبة كل الأطراف، والخبرة التفاوضية التي تعرف متى تُشد الخيوط ومتى تُرخى. هذا ما يجعلها “قوة اتزان” لا تُستبدل.
قد يسأل متشكك: هل تكفي الدبلوماسية أمام خروقات مستمرة على الأرض؟ الإجابة الواقعية: الدبلوماسية لا تُنهي المأساة بقرار واحد، لكنها تمنع انزلاقها إلى ما هو أسوأ، وتفتح ممرًا للإنقاذ. مصر لا تُدير الأوهام؛ تُدير الممكن. ومن الممكن الآن تثبيت التهدئة، إدخال المساعدات، بدء الإعمار، وبناء إدارة فلسطينية مهنية تُعيد للقطاع معنى الدولة بعد سنوات من الاستنزاف.
إن اختيار القاهرة كمنصة للمرحلة الجديدة اعتراف دولي بأن طريق غزة يمر من مصر. فمن دون القاهرة، تتحول الخطط إلى أوراق؛ ومع القاهرة، تصبح الخرائط مسارات. السياسة هنا ليست صخبًا إعلاميًا، بل عمل شاق على التفاصيل: لجان، جداول زمنية، آليات رقابة، وتمويل وإدارة ميدانية.
وفي قلب هذا كله، يبرز درس السياسة الرشيدة: حين تشتعل الجغرافيا، لا تنقذها الشعارات، بل الدول التي تعرف كيف تُوازن بين الضغط والاحتواء، بين المصالح والحقوق، وبين الواقعية والكرامة. مصر فعلت ذلك. لم تساوم على الحق الفلسطيني، ولم تُقايض الدم بالتصفيق. اختارت الطريق الأصعب: بناء سلام قابل للحياة.
ما يجري اليوم ليس نهاية المعركة، لكنه بداية الخروج من التيه. وإذا كان حجم الدمار في غزة “لا يُصدّق”، كما تقول الأمم المتحدة، فإن حجم المسؤولية أكبر. هنا تتقدم مصر مرة أخرى لا كطرف، بل كضامن. تمسك بالخيط الأخير، وتنسج منه مسارًا. في زمن الخراب، هذا هو معنى القيادة.














0 تعليق