فى محبة الربيعى وتسعينه «3 ـ 3» - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فى محبة الربيعى وتسعينه «3 ـ 3» - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 يناير 2026 03:15 مساءً

محمود الربيعى بدأ شاعرًا والشاعر الحقيقى هو من أهل المعجزات فلو مسّ حجرًا لطار أو تكلم أو تفتت

 

أعرف أننى قد تأخرت كثيرًا فى الاشتباك مع الجزء الثالث من سيرة الدكتور محمود الربيعى الذاتية «بعد التسعين»، والآن فليبدأ الاشتباك.

بداية كنت أخاف أن يبدأ الربيعى الجزء الثالث بشعر الجواهرى:

لم يبقَ عندى ما يبتزّهُ الألمُ

حسبى من الموحشاتِ الهمُّ والهرمُ

لم يبقَ عندى كفاءَ الحادثاتِ أسى

ولا كفاءَ جراحاتٍ تضجُّ دم.

ولو بدأ بشعر الجواهرى لكان صادقًا، فقد ذهب عنه معظم الذين أحبهم وعرف قدرهم وعرفوا فضله، ولكنه الربيعى البطل الذى فى الظل، حسب رؤية الشاعر الأستاذ عبدالمنعم رمضان، يبدأ بأبى الطيب المتنبى، واصفًا عمره «كأنى كنت أقطعه وثبًا!».

لم تعرف الحيرة طريقها إلى قلب الربيعى عندما بدأ كتابة «بعد التسعين»، لقد قرر منذ البداية اختيار قلب عابر للتصنيف المعروف.

صبّ الربيعى سيرته فى قالب المقطوعات التى تتوالى كأنها عفو الخاطر، ولكن فى الحقيقة فإن الأمر كله مرتب ومنضبط، فلا كتابة فى الهواء الطلق منفلتة من كل قيد، ولكن هناك رسائل يبثها الشيخ.

الربيعى بدأ شاعرًا، والشاعر الحقيقى هو من أهل المعجزات فلو مسّ حجرًا لطار أو تكلم أو تفتت، الشاعر الحقيقى يستطيع تحويل المألوف والعادى إلى حدث استثنائى مُعجز، الشاعر يقنعك بأنك تستطيع أن تأتى بمثل كلامه فإن صدقته عُدت من رحلتك صفر اليدين، تقرأ كتاب «بعد التسعين» فتظن أن الأمر سهلًا، ولكنى أحذرك من أن تجربه!

فى صدر كلمتى وصفت الدكتور الربيعى بأنه صاحب شخصية مركبة، ووصفه الشاعر عبدالمنعم رمضان بأنه البطل الذى فى الظل.

لا أعرف هل قَبِلَ الربيعى وصفى له أم رفضه، ولكنه أعلن أن وصف عبدالمنعم رمضان لا ينطبق عليه!

والحق يا شيخى وسيدى أن «رمضان» أصاب كبد الحقيقة، فأنت بطل وأنت فى الظل، بل لعلك تحب الظل.

كنت قد وعدتك فى الجزء الثانى من كلمتى هذه بأن أحدثك عن ملامح شخصية الربيعى المركبة.

الرجل بطل حقًا وصدقًا، من حيث كون البطولة العزم الحديدى على تحقيق ما يريده، صارفًا نفسه أو عاصمها عن كل الشهوات التى تتخطف الناس، هو غادر مصر إلى لندن للحصول على الدكتوراه فى الأدب، ما كانت حصيلته من الإنجليزية سوى كليمات، فكيف سيعيش وكيف سيقرأ وكيف سيكتب وكيف سيتعلم وكيف سيحصل على الدكتوراه؟

يعكف بعزم لا يلين وبهمة كهِمة ملوك الأساطير القديمة، على تعلم الإنجليزية، فيتعلمها بل يتقنها ويكتب بها رسالة الدكتوراه فى خمس سنوات فقط، لقد حقق معنى البطولة، وفى تلك السنوات كانت أحواله المادية بسيطة جدًا، وسنحت له فرصة أن يقدم برنامجًا تبثه إذاعة البى بى سى، كان سيحصل على مكافأة ربما أكبر من الراتب الذى ترسله إليه الحكومة المصرية، كان البرنامج عن الأدب الذى هو عشقه وتخصصه، نجح فى اختبار الصوت، وأعد العدة لتقديم البرنامج، ثم برزت بطولته وسأل نفسه: الحكومة تنفق علىّ للحصول على الدكتوراه وليس لتقديم البرامج الإذاعية!

ولم يذهب لتسجيل البرنامج ولم يجعل أى شهوة تصرفه عن الدراسة!

هذه المغالبة أو المكابدة ستجعله جادًا جدًا لا يتهاون مع أدنى تقصير، لا يرفع نفسه فوق رقاب الناس ولكنه لا يسمح لأحد أو لشىء بأن يطأ عنقه.

يكتب عنه تلميذه الأستاذ الدكتور عادل ضرغام فى جريدة الأخبار القاهرية فيقول: «فى عمر السادسة والعشرين (1995)، أحمل مخطوط رسالتى للماجستير، متوجهًا إلى مبنى الجامعة الأمريكية بميدان التحرير لتسليمه إلى أستاذى محمود الربيعى، عضو لجنة المناقشة ورئيسها، قدَّم لى شايًا، وسألنى عن الشعراء موضوع الدراسة، وعن صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطى حجازى، ألقى بشرطه الذى عذبنى لمدة أسبوعين كاملين، قائلًا: لدىَّ تلاميذ كثيرون بدار العلوم، وجاءت إلىَّ رسالة دكتوراه لواحد منهم، وبعد القراءة أعدتها معتذرًا عن المناقشة، لأنها لم تعجبنى، وأنت لست عزيزًا لدىَّ مثله.

وبعد أسبوعين أخبرنى أستاذى د. عبدالحميد شيحة، أن أستاذنا الدكتور الربيعى وافق على المناقشة، وعقدت المناقشة بمدرج (3) وحضرها جمهور غفير، ظلّ لمدة أربع ساعات ونصف الساعة ينصت إلى مناقشته بعد غياب عشر سنوات متصلة لم يدخل دار العلوم، أتذكر جملته الأخيرة فى مناقشته بعد مناقشة أستاذى صلاح رزق التى استمرت ساعة واحدة، وتكفل هو بالباقى، حين قال لى: «أنت تعِدُ بشىء فى سماء برقها خلّب».

القضية عنده هى قضية القيم الجامعية وليس المعرفة أو الاستلطاف، هو يريد أن يكون تلميذه مستحقًا للرسالة، ثم فليذهب أى اعتبار آخر إلى حيث يشاء.

قالت له أستاذة شهيرة: إن الوزير فلان رشح اسمك لتشرف على رسالة الطالبة الفلانية، وأنت رفضت الإشراف على الرسالة.

ردّ عليها: أنا لم أرفض لوجه الرفض، طلبت من الطالبة أن تقدم لى تقريرًا من المشرف الذى كانت تعمل تحت إشرافه، فلم تقدم لى التقرير، وعليه فلا حق لها عندى.

ألا يوغر مثل هذا التصرف قلب الوزير، فليكن، الربيعى جاهز دائمًا لدفع ثمن أن يكون كما يريد هو لا كما يريده الآخرون!

يكتب عن نجيب محفوظ كأحسن ما تكون الكتابة، يكتب كتابًا كاملًا وليس فصلًا من كتاب، ثم لا يسعى إلى «محفوظ» للتقرب منه، لقد أدى دوره وكتب، ثم رضى محفوظ أو سخط فتلك قضية لا تشغله!

فى «بعد التسعين» يفصل الربيعى أمره مع محفوظ، فيقول إنه لم يقابله إلا مرة واحدة قدم له فيها كتابه عنه «قراءة الرواية» ثم مرت السنون وقابله فوق كوبرى قبيح كان يقطع ميدان التحرير.

يكمل الربيعى: «هتفت، أستاذ نجيب؟» نظر لى متفرسًا للحظة، ثم احتضننى هاتفًا بدوره «محمود بيه الربيعى؟». أخجلنى صاحب نوبل وأوقعنى فى حرج بالغ باللقب المباغت الذى خلعه علىّ وبالحضن الحميم، ثارت مشاعرى وفاضت دموعى، فلم أملك إلا إخفاءها عنه بدفن وجهى فى صدره وبقائى على ذلك وقتًا لعله أطول مما قدر هو نفسه.

ثم يعرف من الأديب سليمان فياض أن محفوظًا كان يذكره كثيرًا ويقول: أين ذلك النّقَاد المتوارى عن الأنظار؟ 

لعل التوارى عن الأنظار هو ما قصده عبدالمنعم رمضان بالظل، فلماذا توارى الربيعى عن الأنظار؟

الحق أنه يستنكف من أن يحارب بأسلحة تضمن له الصدارة، هذا ليس فى طبعه ولا فى طينته الأولى، هو يريد العمل الجاد المنظم، ثم فليكن ما قدره الله، فإن عرضوا عليه ما يراه هو حقًا من حقوقه قبله شاكرًا، وإن تجاهلوه لم يطالبهم بشىء، فقد حقق ما يريده وهو أن يعمل ويتعلم ويُعَلّم، وهذا تفسير لتجاهل كل جوائز الدولة المصرية بل والعربية بل والإسلامية لاسمه.

صدّق أو لا تصدق، الربيعى لم يُمنح جائزة قط، فماذا فعل، لا شىء، لم يملأ الدنيا صراخًا واحتجاجًا، ولم ينثر التراب فوق رؤوس الجميع، هو يملأ عين نفسه ويرضى عن قراره بأنه رجل علم وتعليم، يشكر ربه أن منحه عمرًا مديدًا ذاق فيه حلاوة المعرفة ولذة الصداقة، ثم عند الله تجتمع الخصوم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق