نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"البؤس الذكيّ" وحكمة الفلاسفة: أسئلة في غايات التعليم المعاصر - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 يناير 2026 03:43 مساءً
بيار الخوري*
يبرز بليز باسكال كشخصية موسوعية فذة جمعت بين صرامة الرياضيات وعمق اللاهوت الفلسفي ليعلن بعبارته الشهيرة أن المرء لا يبحث عن الحقيقة إلا إن كانت وجدت مستقراً في أعماقه مسبقاً. تعكس هذه الرؤية الباسكالية أن فعل البحث في حد ذاته هو شهادة على حضور المعرفة داخل الكيان الإنساني وليست مجرد اكتساب خارجي جاف ما يجعل العملية الفكرية رحلة لاستعادة وعي مفقود بالذات والحقيقة.
يتلاقى هذا الطرح الروحي مع الرؤية المادية الجدلية لكارل ماركس الذي رأى أن البشرية لا تطرح على نفسها من التساؤلات إلا تلك التي نضجت شروط حلها في الواقع المادي والتاريخي. يربط ماركس بين السؤال والظرف الاجتماعي حيث يرى أن الأزمات الكبرى تظهر في اللحظة التي تتهيأ فيها البيئة لولادة حلول جذرية تغيّر مسار التاريخ الإنساني وتدفع بالمجتمعات نحو أفق جديد من الوعي والتنظيم.
تتجلى المقارنة بين العالمين في أن باسكال يجعل من البحث دليلاً على وجود الحقيقة الجوهرية فيما يرى ماركس أن السؤال التاريخي هو ثمرة نضوج الشروط الموضوعية للحل. يشترك الاثنان في أن القلق الإنساني أو التساؤل المعرفي ليس عبثاً بل هو إشارة قوية إلى أن الإجابة تلوح في الأفق سواء كانت كامنة في الروح البشرية أو متجسدة في الإمكانيات المادية للعصر.
تتجسد أزمة التعليم المعاصرة في انفصال حاد بين جوهر المعرفة ووظيفتها حيث، وفقاً لمقولة بليز باسكال، يُعتبر إهمال الجانب الوجودي في التربية عاملاً يحوّل المؤسسات التعليمية إلى مصانع لإنتاج "البؤس الذكيّ" الذي يمتلك المهارة ويفتقد المعنى. إن التعليم الحالي يرتكب خطيئة تربوية حين يعامل المتعلم كوعاء فارغ يجب حشوه بالبيانات متجاهلاً مبدأ باسكال بأن الطالب يبحث عن المعرفة لأنه يمتلك بذورها في فطرته، ما يجعل المناهج الجافة غريبة عن الوجدان البشري وتؤدي بالضرورة إلى حالة من الاغتراب الروحي داخل القاعات الدراسية.
تتعمق هذه الأزمة عند قراءتها من منظور ماركسي يرى أن التعليم قد اختُزل في "بنية فوقية" تخدم حصراً متطلبات الإنتاج المادي، ما جعل المدرسة مجرد أداة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي وتزويد السوق بعمالة مطيعة. يفسر ماركس الأزمة الحالية بأنها نتيجة طبيعية لتعارض غاية الإنسان مع غاية الرأسمالية حيث يُجبر النظام التعليمي على قمع الأسئلة الكبرى لصالح التخصصات الدقيقة التي تخدم الآلة الإنتاجية وتجرد المتعلم من قدرته على نقد الواقع أو فهم موقعه التاريخي فيه.
تصل الإشكالية إلى ذروتها في العصر الرقمي حيث نجد أنفسنا أمام تعليم ينتج أفراداً بارعين تقنياً لكنهم عاجزون عن الإجابة عن سؤال "لماذا" وهو السؤال الذي اعتبره باسكال أساس كرامة الإنسان وتفكيره. إن التركيز المعاصر على "الكفاءة" وتجاهل "الحكمة" يعكس خللاً بنيوياً يجعل التعليم عبئاً على النفس البشرية لأنّه يطالبها بالبحث عمّا لم تجده مسبقاً في ذاتها ويجبرها على التكيّف مع سوق عمل يلفظ الإنسان تدريجاً لصالح الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
يقودنا الربط بين غياب المعنى الباسكالي والقيود المادية بحسب المقاربة الماركسية إلى استنتاج أن الأزمة التعليمية هي أزمة "تغريب" مزدوجة للمتعلم عن روحه وعن نتاج عمله الفكري. إن البشرية اليوم تطرح سؤال إصلاح التعليم بحدة لأن الشروط المادية أصبحت تسمح بالتحرر من التعليم المهني الضيق بفضل الوفرة التقنية ما يجعل العودة إلى نموذج تعليمي يبحث عن "الإنسان الكامل" ضرورة تاريخية لا يمكن تأجيلها بعد الآن.
يصبح الحل الكامن في قلب هذه الأزمة هو تحويل العملية التربوية من أداة "للترويض الوظيفي" إلى رحلة "استكشافية للذات" تتفق مع بصيرة باسكال وتستفيد من تحرر الإنسان الماركسي من قيود الحاجة المادية. إن القلق الذي يعتري المنظومات التعليمية اليوم هو المخاض الضروري لولادة مدرسة جديدة لا تكتفي بالتوافق مع متطلبات عصر المعلومات بل تهدف إلى إيقاظ الحقيقة الكامنة في الإنسان وتمكينه من السيطرة على مصيره التاريخي بعيداً عن صنمية السوق والوظيفة.
* أكاديمي وخبير اقتصادي













0 تعليق