شيخ البلاغيين أبو موسى يُتوج بجائزة الملك فيصل العالمية - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
شيخ البلاغيين أبو موسى يُتوج بجائزة الملك فيصل العالمية - تواصل نيوز, اليوم السبت 17 يناير 2026 04:13 صباحاً

جاء فوز شيخ البلاغيين الدكتور محمد محمد أبي موسى، بجائزة الملك فيصل العالمية، فرع خدمة الإسلام، استهلالا سعيدا للعام الجديد2026، وتكريمًا مُستحقًا له على ما بذله ولا يزال يبذله من عطاء متجدد في خدمة علم البلاغة العربيّة، الذي يحمله من كل جيلٍ عدوله، كما قال هو نفسه.

والدكتور محمد أبو موسى (1937م - مدّ الله في عمره) هو أحد أعلام البلاغة في العصر الحديث، وإمام من أئمة عشاقها الكبار، بجامعة الأزهر الشريف، معقل الإسلام الوسطيّ الصحيح في العالم الإسلاميّ. وجدارته بالجائزة نبعت من منجزه البلاغيّ الضخم، المتمثل في كتبه المؤلفة، وكتبه التي تمشي على الأرض، وهم تلاميذه وغرسه المثمر، الذين أصبحوا شيوخا بل أئمة للبلاغة، نذكر منهم - تمثيلا لا إحصاءً - الدكتور محمود توفيق محمد سعد، والدكتور محمد الأمين الخضري، والدكتور إبراهيم صلاح الهدهد (رئيس جامعة الأزهر الأسبق)، وآلاف الباحثين والطلاب من رواد محاضراته المنتظمة بالجامع الأزهر، من جنسيات مختلفة.

كان من حيثيات منحه الجائزة، واستحقاقه لها: تأليفه أكثر من ثلاثين كتابا في تخصص اللغة العربية، ولا سيما تخصص البلاغة المعنيّ بإيضاح إعجاز القرآن، وعضويته التأسيسية في هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، ومشاركته في كثير من الندوات والمؤتمرات العلمية الدولية. عقده أكثر من ثلاثمائة مجلس في الجامع الأزهر لشرح كتب التراث، وعمله على ترسيخ الهوية الثقافية لدى شباب الأمة، وعمله على تقريب كتب التراث التي ألفها علماؤنا الكبار إلى عقول الناشئة وتعريفهم سبل قراءة الكتب التي أسست المعرفة.

وما أحوج الأمة الآن إلى مثل هؤلاء العلماء المتجردين، وجهودهم المخلصة الصادقة، لإنقاذ الهوية العربية الإسلامية المائزة، باعتبارها الدرع الواقية في هذا الزمن العاصف، الذي تداعت فيه الأكلة - فعلا لا تنبؤا - إلى قصعة أوطاننا العربية والإسلامية، لتنهب ثرواتها، وتحتل عقول أبنائها، وتخربها من داخلها، بحروبها الحديثة الخبيثة، ذات الأجيال المتصاعدة (في غير رفعة): حروب الجيل الرابع، ثم حروب الجيل الخامس.. و"يا ما في الجراب.. "!

دُرة تاج المشروع البلاغي للشيخ الدكتور أبي موسى، هي إسهامه الممتد، نظرا وممارسة تطبيقة، في ذلك المبحث الدقيق العميق وهو الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، ومن بعده بلاغة البيان النبوي في تجلياته العلوية وسماته المائزة له من كل بيان. فعلم البلاغة وُلد ونشأ في كنف الكتاب العزيز: دفاعًا عنه، وكشفا لأسرار جماله المعجز، بل جعله أبو هلال العسكريّ، أحق العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ، بعد المعرفة بالله، جلّ ثناؤه.

بدأ الدكتور أبو موسى هذا المشروع بكتابه "البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشريّ وأثرها في الدراسات البلاغية"، الذي هو في الأصل رسالته لنيل درجة العالمية (الدكتوراة) في البلاغة، والذي قرر فيه أنه: إذا كان الزمخشريّ قد طبق كثيرا مما قرره عبد القاهر الجرجاني، فقد أضاف أصولا بلاغية هامة لم يعرض لها عبد القاهر، ونمّى كثيرا من الأصول السابقة، وحرر كثيرا من المسائل. ثم كتابه "الإعجاز البلاغي دراسة تحليلية لتراث أهل العلم"، الذي أداره حول إسهامات بعض علماء البلاغة الذين تناولوا قضية الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم، كالخطابي، والرماني، وأبي بكر الباقلاني. ثم كتاب "من أسرار التعبير القرآني دراسة تحليلية لسورة الأحزاب" وهو جهد تطبيقي خالص. ثم كتاب "من حديث يوسف وموسى - عليهما السلام - في الذكر الحكيم". ثم كتابه الضخم الأخير، بأجزائه الثلاثة، في هذا المبحث وهو "آل حم"، الذي يتناول فيه بالتحليل البلاغي السور السبع التي تبدأ بالحرفين المُقطّعَيْن "حم"، وهي بترتيب المصحف: غافر، وفُصّلت، والشورى، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف. وقد آثر الشيخ أبو موسى تسمية هذه السور بـ "آل حم" مقتديا في ذلك بأئمة السلف الذين كرهوا تسميتها بـ "الحواميم" وفضلوا عليها "آل حم" أي أهل أو أصحاب وهو أسلوب عربيّ يُطلق على أهل البيت أو أصحاب الشأن.

ولم يقصر الشيخ أبو موسى جهده التحليلي على البيان الإلهي المعجز للنص القرآني، بل شفعه بجهد تحليلي للبيان النبوي العالي، الذي يترجم عن القرآن (وما ينطق عن الهوى) فقام بـ" شرح أحاديث من صحيح البخاري.. دراسة في سمت الكلام الأول"، و"شرح أحاديث من صحيح مسلم.. دراسة في سمت الكلام الأول"، وكتابه الثالث في هذا الاتجاه وهو" من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دراسة في بلاغه وبلاغته".

ولم يكن الدكتور أبو موسى عاكفا على التراث، منقطعا عما يموج به مجتمعه من تيارات، وما يصطرع به من أحداث، بل كان حريصًا على أداء دوره التربويّ المنوط بمن هو في مثل مكانه ومكانته، فهو يربط تحليله البلاغي بقضايا عصره، وإنسان عصره، وخاصة جيل الشباب، معقد الآمال، الذين أولاهم الشيخ عنايته، فهو يقول في كتابه: "من أحاديث الرسول.. .":فأنا أكتب للأجيال القادمة والواقع الذي أعيشه وتعيشه هذه الأجيال التي هي في أول الوعي، ويتكون هذا الوعي من كل ما تعيشه وما تسمعه في المدرسة، والإعلام، ومن رجال الفكر، ومن رجال السياسة.. .ولا أقول لك إن عنايتي بالأجيال القادمة هي شاغلي الذي فوق كل شاغل، لأن هذا يجب أن يكون عندك وعند غيرك، وعند كل من يحرص على تراب هذا الوطن، لأن هذه الأجيال التي يتشكل وعيها الآن هي التي ستشغل مواقعنا غدا، وهي التي ستحمي هذا التراب بالقيم والمعتقدات والأصول النفسية والروحية والاعتقادية التي نحمي نحن ترابنا بها".

ذلك، ولم يكفّ الشيخ أبو موسى عن التنقيب في التراث البلاغي والنقدي، ومحاورة أعلامهما، والاحتفاء بهم، ومعاودة الاستماع إلى أصواتهم، عبر كتبه: "ثلاثة من كرمائنا يتحدثون إلينا: الجاحظ. أبو هلال. ابن الأثير" و "من التراث النقدي دراسة وتحليل"، الذي يتناول فيه ثلاثة كتب نقدية كبرى هي:"نقد الشعر" لقدامة بن جعفر، و"الوساطة بين المتنبي وخصومه" للقاضي أبي الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني، و"العمدة في صناعة الشعر ونقده" لابن رشيق القيرواني. وكتاب "من الحصاد القديم"، وكتاب "من مناهجنا الغائبة في إعداد أجيالنا".. .وهذا انتقاء وليس إحصاءً.

إن الاحتفاء بالشيخ أبي موسى وجائزته، هو احتفاء بقيمة علم البلاغة، الذي هو من أشرف العلوم، لارتباطه بالنص القرآني المجيد، وهو احتفاء بقيمة الإخلاص لهذا العلم، ونقله إلى الأجيال القادمة، والاكتفاء به عن كل بهرج زائف.. بارك الله في عمر الشيخ، وفي عطائه المتجدد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق