جبران اليوم في إِيطاليا: نُصْبٌ على قمَّة (2 من 4) - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جبران اليوم في إِيطاليا: نُصْبٌ على قمَّة (2 من 4) - تواصل نيوز, اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 12:41 مساءً

أَطلَّ جبران في إِيطاليا قبل أَيام، إِحياءً نشاطَه في نيويورك إِبَّان المجاعة الكبرى التي ناءَ بكارثتها لبنان في الحرب العالمية الأُولى.
ففي 21 الجاري، وفي مدينة أَغْريجِنْتو السياحيّة الإِيطاليّة الشهيرة في صقْلية، وفي "وادي المعابد" وسْطَ واحةٍ أَثَريةٍ (أَدخَلَتْها منظمةُ اليونسكو في كانون الأَول/ديسمبر 1997 إِلى "لائحة المواقع الأَثرية في العالم")، أَقامت "أَكاديميا الدراسات المتوسطية" احتفالًا كبيرًا بــ"أَبرار الإِنسانية" داخل "حديقة الأَبرار" (تفاصيله في الحلقة الأُولى من هذا المقال). وجرى فيه زرعُ أَنصاب تذكارية لثمانية أَعلام عالَميين، بينهم جبران.
ماذا عن جبران في هذا الاحتفال؟

مداخلة فرنشِسْكو ميديتشي
الباحث الإِيطالي فرنشِسْكو ميديتشي، وهو من أَبرز المدقِّقين في سيرة جبران ومسيرته، رفَع الستارة عن نُصْب جبران في "حديقة الأَبرار". لكنه قبلذاك أَلقى كلمة في الندوة التي سبقت الاحتفال، سأَقتطف منها فقرات لأَهمية كشفها، للمرة الأُولى، عن هذه الفترة لنشاط جبران حول أَهله المقهورين في جبل لبنان أَيام المجاعة الكبرى.

 

“المتسوِّلة الجائعة“ بريشة جبران.

“المتسوِّلة الجائعة“ بريشة جبران.

 

بعدما نقَلَ فرنشسْكو إِلى الحضور تحيات "لجنة جبران الوطنية" (بيروت) وسفارة لبنان (روما)، أَشار إِلى أَن لجبران في العالم أَنصابًا وتماثيلَ وبلاطاتٍ تذكاريةً (رخاميةً ومعدنيةً)، تكتفي باستذكاره شاعرًا وكاتبًا لبنانيًّا أَميركيًّا. ويعرف الجميع أَنه صاحب كتاب "النبي" الذي بلغَت ترجماتُهُ إِلى نحو 100 لغة حتى اليوم، وأَنَّ رسومه ولوحاته معروضة لدى أَبرز متاحف العالم من الولايات المتحدة إِلى المكسيك إِلى لبنان إِلى أُستراليا وسواها. ويعرف الكثيرون كذلك نشاطه السياسي والاجتماعي، لكن قليلين يعرفون تفاصيل دقيقةً موثَّقةً عن طبيعة هذا النشاط. من هنا أهمية هذا الكشف المرتكز إِلى وثائقَ ثمينةٍ تـمَّ اكتشافُها أَخيرًا، ما يجعل نشْرَها إِضافةً جوهريةً إِلى سيرة جبران ومسيرته.    

جبل لبنان الضحية
اجتاحت لبنانَ بين 1915 و1918 (إِبَّان الحرب العالَمية الأُولى) موجةُ مجاعةٍ كبرى مُرعبة ضربَت نحو 200 أَلف مواطن قضَوا من الجوع والمرض، بسبب عوامل سياسية وبيئية متعددة. فالسلطنة العثمانية دخلَت الحرب بهجوم مفاجئ على الأَمبراطورية الروسية في 29 تشرين الأَول/أُكتوبر. وفي الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر أَعلن القيصر نقولا الثاني مع حلفائه حربًا شرسة ضد الباب العالي، وتوازيًا فرَضَ حظرًا على شحن البضائع بحرًا إِلى شرقي المتوسط، لإِضعاف جهود السلطنة وخنْق اقتصادها. بالمقابل، وخوفًا من ثورة العرب في المنطقة، خصوصًا من المسيحيين بينهم، فرضَ جمال باشا، قائد الفيلق العثماني الرابع، حظْرًا مضادًّا خنق به جبل لبنان وأَلغى إِمكان حصوله على موادَّ من سوريا، فقطَع الإِمدادات الغذائية وضربَت المجاعة جبل لبنان. وزاد من كارثية المأْساة هجومُ أَسراب هائلة من الجراد قضت على المزروعات جميعها، فعمَّ الموتى شوارع البلاد.

 

أُسرة لبنانية منكوبة بين الجوع والموت.

أُسرة لبنانية منكوبة بين الجوع والموت.

 

يموتون قرب القُمامة
عيَّنَتْ وزارة الداخلية العثمانية منيف باشا على جبل لبنان سنة 1915، فأَلغى حصانات كانت حتئذٍ معطاةً لجبل لبنان، ما زاد الضغط القاتل على الشعب الأَعزل، فنكَّلَ الجيشُ العثماني بالشعب تعذيبًا ونفيًا وإِعدامًا في الساحات العامة. وأَخذَت الأَخبار تتوالى إِلى أَبناء الجاليات اللبنانية والسورية (وفيها جبران ورفاقه) ناقلةً أَخبارَ المآسي والفواجع بين أَهاليهم  في جبل لبنان. وفي إِحدى صحف تلك الحقبة، جاء: "المتسوِّلون يتسكَّعون أَفواجًا في مدينة بيروت. رجالٌ ونساء وأَطفال يبحثون في تلال القمامة عن بقايا طعام، حتى إِذا افتقدوها سقطوا قُربَها مَوتى في الشوارع. الأَوبئة والأَمراض الـمُعْدية تَنتشر في سرعة مخيفة. الذباب الأَزرق والعقارب تسبِّب التيفوس، الجرذان تسبِّب الطاعون، البَعوض يسبِّب الملاريا، وأَسراب الجراد تغطِّي وجه الشمس".

مساعدات جبران
كانت أَعدادُ ضحايا المجاعة تزداد يوميًّا. في محاولةٍ من جبران، ولو خجولة، كان يُرسل مبالغ متواضعة إِلى المحتاجين، ثم خصص لهم عائدات كتبه. كان مقتنعًا بأَنَّ مسبِّب هذه الكارثة هو بَطْشُ العثمانيين. من هنا ما جاء في رسالته (26 أَيار/مايو 1916) من نيويورك إِلى راعيَته ماري هاسكل في بوسطن: "أَهلي، يا ماري، أَهلي في جبل لبنان، يموتون جوعًا ضحايا مخطَّط الحكومة العثمانية. مات منهم ثمانون أَلفًا، وآلافٌ منهم يموتُون كل يوم. ما جرى للأَرمن يجري اليوم في سورية. المسيحيون في جبل لبنان هم أَكثر المقهورين. تخيَّلي، يا ماري، تخيَّلي في أَيِّ حالٍ أَنا اليوم. لا يمكنني أَن أَنام، ولا أَن آكُل، ولا أَن أَجد السلام في قلبي. جميع السوريين في أَميركا يُؤَرِّقهم ما يؤَرِّقني. نحاول ما نستطيعه كي ننقذ مَن لا يزالون أَحياء".

 

لجنة الغوث وجبران أَمين سرِّها.

لجنة الغوث وجبران أَمين سرِّها.

 

لجنة الغَوث
لِجمع المساعدات من الولايات المتحدة، تشكَّلَت في نيويورك (حزيران/يونيو 1916) "لجنة غَوث سورية وجبل لبنان" (نجيب معلوف رئيسًا، أَمين الريحاني معاون الرئيس، جبران خليل جبران أَمين السر، نعمة تادرس وأَنطون سمعان وخليل التين أُمناء الصندوق). وها جبران يكتب فورًا إِلى ماري هاسكل: "اختارني أَعضاءُ اللجنة أَمين سرها. إِنها مسؤُولية جسيمة، لكنني سأَتولَّاها مهما يكن. ما يجري هناك من كوارث يغرز في القلب، ويحفِّز على المساعدة من دون تحفُّظ. لم تكن لي قبلًا فرصةُ أَن أَخدم أَهلي. يُسعدني أَن أُبادر اليوم، وأَشعُر أَنْ سيُساعدُني الإِلهُ الواحد. عليَّ أَن أُسافرَ إِلى أَرجاء هذه البلاد لأُخاطب الشعب السوري فيها". ووافق جبرانَ زملاؤُه في اللجنة على أَنَّ الباب العالي هو الذي يُسَبِّب هذه المآسي، لأَنَّ سوريين كثيرين متضامنون مع الحلفاء. ومع ازدياد الحالة تَدَهْوُرًا، قرَّر جبران أَن يتصل مباشرةً بوزارة الخارجية الأَميركية. 

الحلقة الثالثة (قبل الأَخيرة): مراسلات جبران مع وزارة الخارجية الأَميركية