نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اتفاق الولايات المتحدة مع إيران: ما الذي تحتاج إليه دول الخليج فعلاً؟ - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 8 يونيو 2026 05:46 مساءً
البروفيسور إريك آلتر*
انهارت المحادثات المباشرة في إسلام آباد يوم 12 نيسان/ أبريل، لتُسدل الستار على أول حوار مباشر بين واشنطن وطهران منذ عام 2015.
وبعد إحدى وعشرين ساعة من المباحثات، أعلن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس فشل التوصّل إلى اتفاق، مشيراً إلى رفض طهران للشروط الأميركية، ومؤكداً أن الحصار البحري سيبدأ فوراً. غير أن البيان أغفل، على نحو لافت، سؤالاً أكثر إلحاحاً بالنسبة للمنطقة: ما مصير الدول الخليجية الست التي تعرّضت مطاراتها وبنيتها التحتية وأحياؤها السكنية، خلال الأربعين يوماً السابقة، لصواريخ ومسيّرات إيرانية؟
كلفة أمنية مباشرة
لم تكن دول مجلس التعاون الخليجي طرفاً في محادثات إسلام آباد، ولم تُستشر رسمياً قبلها. وهنا تكمن المفارقة: فواشنطن قد تواجه كلفة ديبلوماسية إذا فشل المسار التفاوضي، أما العواصم الخليجية فتواجه كلفة أمنية مباشرة، تتجسّد في الصواريخ، وتعطّل الممرات البحرية، وتهديد البنى التحتية الحيوية.
وتزداد الصورة تعقيداً في ظلّ غياب رؤية خليجية موحّدة حول معنى النزاع وما بعده. فقد اختارت دولة الإمارات أن تمضي في مسار مختلف، بعدما انسحبت من أوبك في 28 نيسان/ أبريل، وسعت إلى خط مقايضة للدرهم بالدولار مع الخزانة الأميركية، ونشرت بطاريات من منظومة «القبة الحديدية» الإسرائيلية على أراضيها، وأغلقت سفارتها في طهران، ووصفت الضربات الإيرانية بأنها أعمال إرهابية، داعيةً إلى تسوية شاملة لا تقتصر على وقف إطلاق النار. هذه الخطوات لا تبدو ردود فعل ظرفية، بل تعبّر عن قراءة استراتيجية تعتبر أن مرحلة ما بعد النزاع في الخليج تحتاج إلى مبدأ تنظيمي جديد، وقد بدأت أبوظبي بالفعل بلورته.
في المقابل، أبقت المملكة العربية السعودية قنوات التواصل مع طهران مفتوحة طوال فترة النزاع. غير أن ذلك لا يعني قبول الرياض باتفاق ينجز بعيداً عن مصالحها. فالمملكة تطالب بأن تكون حاضرة في صياغة أي تسوية، لا أن تُبلغ بها بعد اكتمالها. وما تسعى إليه الرياض هو إطار أوسع يحدّ من دعم طهران للوكلاء الإقليميين، ويؤسس لترتيبات دائمة بشأن مضيق هرمز، من دون دفع إيران إلى حالة انهيار أو تفكك. فإيران المنهارة لا تنتج استقراراً، بل تصدّر نمطاً مختلفاً من الفوضى؛ وهو سيناريو يتعارض مع متطلبات رؤية 2030 وأولويات التنمية الوطنية السعودية.
أما قطر فتقف في موقع أكثر حساسية. فهي تستضيف أكبر مقر أمامي للقيادة المركزية الأميركية في المنطقة، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات وظيفية مع طهران. هذا التعرّض المزدوج يجعل خفض التصعيد ضرورة أمنية لا مجرد خيار ديبلوماسي. ولذلك حذّرت الدوحة من تحوّل النزاع إلى حالة «مجمّدة»، ليس رغبة في احتواء إيران بقدر ما هو إدراك بأن استمرار التوتر يضع بنيتها التحتية للطاقة وشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة تحت الضغط في آن واحد.
وتتقاطع مواقف البحرين والكويت، اللتين تحملتا وطأة ضربات إيرانية ثقيلة قياساً بحجمهما، مع المقاربة الإماراتية. أما عُمان فتقف عند الطرف الآخر من المشهد؛ فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي امتنعت عن إدانة الضربات الإيرانية، وحافظت على قنواتها الخلفية بين واشنطن وطهران، ومصالحها الاقتصادية المتشابكة مع إيران تمنحها دافعاً بنيوياً لتجنب القطيعة الدائمة.
بعبارة أخرى، لم تتفق دول مجلس التعاون بعد على قراءة موحدة للنزاع أو لشكل التسوية المطلوبة. وقد لخّص معالي الدكتور أنور قرقاش، المستشار الديبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة، هذه الإشكالية عندما وصف الرد الجماعي الخليجي بأنه «الأضعف تاريخياً»، بالنظر إلى طبيعة الهجوم ومستوى التهديد الذي مثّله للجميع. ومن ثم، فإن تعامل واشنطن مع دول المجلس بوصفها كتلة واحدة لا يضمن قبولها بأي اتفاق، بل قد يضعف شرعيته منذ البداية.
ولا يتضمّن الإطار التفاوضي المتداول حالياً، وفق ما يُنشر، بنوداً واضحة تتصل بالأمن الخليجي، أو التعويضات، أو آليات التحقق من الامتثال. في المقابل، يطرح المقترح الإيراني مطالب تشمل سحب القوات الأميركية، ودفع تعويضات مالية، وإدارة مشتركة لمضيق هرمز؛ وهي شروط ترفضها واشنطن جملةً وتفصيلاً. وتبدو الفجوة واسعة في الملف النووي، حيث تسعى واشنطن إلى تجميد البرنامج لعشرين عاماً، بينما تقترح طهران خمس سنوات فقط.
النقطة الأخطر
يبقى مضيق هرمز نقطة التباعد الأخطر. فطهران تريد تحويله إلى «بوابة جباية»، فيما تصرّ واشنطن على إبقائه ممراً بحرياً مفتوحاً. ولا تزال نحو ألفي سفينة عالقة على جانبي الممر، فيما تشير تقديرات المنظمة البحرية الدولية إلى أن قرابة عشرين ألف بحّار في المنطقة يواجهون خطر النفاد التدريجي للمؤن والوقود. ومع أن البحرية الأميركية قادرة على تأمين ثلاث إلى أربع عمليات عبور يومياً، فإن المضيق يستوعب في الظروف الاعتيادية عشرات الرحلات. والمرافقة البحرية، مهما كانت ضرورية في الأزمات، لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً من ممر تجاري يعمل بصورة طبيعية.
قد يفتح تأجيل الملف النووي الباب أمام اتفاق مؤقت. غير أن الخطر يكمن في أن يؤدي هذا الاتفاق إلى إعادة فتح المضيق ورفع الحصار قبل أن تنتزع واشنطن التزامات ملموسة بشأن الملفات الأخرى. وتدرك الدول الخليجية هذا الاحتمال جيداً، لأنها ستكون الطرف الذي يتحمّل تبعات أي ترتيب ناقص، سواء تعثّر الاتفاق أو نجح بصورة شكلية فقط.
المشكلة الجوهرية في الإطار الحالي لا تكمن فقط في ما يغفله، بل في الافتراض الذي يقوم عليه: إمكانية بناء تسوية مستدامة مع إبقاء دول الخليج على الهامش. وهذا هو الافتراض ذاته الذي رافق خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، حين لم يكن لجيران إيران دور فعلي في صياغة الاتفاق. لكن الفارق اليوم أن دول الخليج لم تعد متفرجة على تهديد محتمل، بل أصبحت أطرافاً معنية مباشرة، تمتلك معرفة آنية بالنشاط العسكري الإيراني، وبحركة الممرات البحرية، وبالتهديدات التي تطال بنيتها التحتية. واستبعادها عن آليات المراقبة يعني عملياً استبعاد الجهة الأكثر قدرة وحافزية على الرصد، بما يضعف النظام المصمّم أصلاً لاكتشاف الخروقات.
لذلك، ينبغي أن تكون المشاركة الخليجية شرطاً أساسياً في أي اتفاق يتعلق بمضيق هرمز. فالدول التي تمر ناقلاتها عبر الممر، وتستضيف موانئها جانباً أساسياً من معاملاته التجارية، وتراقب راداراتها حركته اليومية، هي الطرف الطبيعي في أي منظومة إدارة أو إنفاذ. وستقاوم طهران ذلك بلا شك، لكن هذه المقاومة تحديداً هي ما يجعل المشاركة الخليجية غير قابلة للتجاوز. فأي حكومة إيرانية قد تفكر مستقبلاً في الانسحاب من التزاماتها لن تكون في مواجهة واشنطن وحدها، بل في مواجهة منظومة إقليمية تشكل بنيتها التحتية وهندستها الأمنية أساس عمل المضيق. وهذا يرفع كلفة الانسحاب، ويمنح الاتفاق ركائز أكثر متانة واستدامة.
لا تحتاج واشنطن بالضرورة إلى أن يكون ممثلو دول الخليج حاضرين في كل جولة تفاوضية في إسلام آباد. لكنها تحتاج، من باب الحكمة الاستراتيجية، إلى اتفاق يُصاغ على نحو يراعي مصالحهم، ولا يتعارض مع أمنهم ووجودهم الإقليمي. فأيّ تسوية تتجاهل دول الخليج قد تنتج هدوءاً مؤقتاً على الورق، لكنها لن تصنع استقراراً قابلاً للحياة في الواقع.
* عميد برامج الدراسات العليا في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية













0 تعليق