نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين المسؤولية والشعبوية... مَن يحمي التربية في لبنان؟ - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 05:31 صباحاً
نعمة محفوض*
أكتب هذه السطور اليوم لا بصفتي نقيبًا للمعلّمين في لبنان، بل بصفتي مربّيًا أمضى ما يقارب أربعين عامًا في الحقل التربوي، واختبر عن قرب تحولات هذا القطاع وتحدياته وأزماته. أكتبها من موقع من عاش المدرسة اللبنانيّة في أوقات ازدهارها كما في أوقات محنتها، ومن موقع من يؤمن بأنّ التربية ليست ملفًا سياسيًا عابرًا، بل قضيّة وطنيّة تتعلّق بمستقبل لبنان نفسه.
وأعترف أنّني أشعر بأسف عميق لما وصلنا إليه في النقاش التربوي. فمن المؤسف أن تصبح القضايا التربوية الكبرى مادّة سجال على مواقع التواصل الاجتماعي، بدل أن تكون موضع نقاش جدي بين أهل الاختصاص والمعنيّين بالشأن التربوي. ومن المؤسف أكثر أن تتحوّل خلفيّة هذا النقاش من خلفيّة علميّة وتربويّة إلى خلفيّة شعبويّة، وأن يدخل ملفّ الامتحانات الرسميّة في بازار سياسي وإعلامي لا يراعي مصلحة الطلاب بقدر ما يراعي حسابات أخرى.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنّ القطاع التربوي في لبنان مُني خلال السنوات الستّ الأخيرة بخسائر كبيرة جدًا. فقد شهدنا انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق، وجائحة عالمية، وإقفالات قسريّة، وحروبًا وأزمات أمنيّة متلاحقة، ما أدّى إلى فاقد تعليمي بلغ مستويات غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث. وهذه حقيقة يعرفها كلّ من يعمل في التربية، ولا يجوز لأحد أن يتجاهلها أو يقلّل من آثارها.
لكنّ هذه الخسائر لا تعني الاستسلام، بل تستدعي منا مزيدًا من المسؤوليّة. فهمّنا الأول يجب أن يكون مستقبل طلابنا، كما أن همّنا الأول يجب أن يكون سلامتهم. وهذان الهدفان لا يتعارضان ولا يجوز أن يتقدّم أحدهما على الآخر. فلا قيمة لأي إنجاز تربوي إذا كان على حساب سلامة الطلاب، كما لا يجوز أن تتحوّل السلامة إلى ذريعة دائمة للتخلّي عن كلّ معايير التعليم والتقويم.
ومن هذا المنطلق، فإنّ الالتزام بالمسؤوليّة يبقى الخيار الأصعب دائمًا. فمن السهل اتّخاذ القرارات التي تحصد التصفيق وتكسب الشعبيّة، أمّا الأصعب فهو اتّخاذ القرارات التي يعتقد أصحابها أنّها تحمي المصلحة العامّة.
ومن المؤسف حقًا أن تصبح الامتحانات الرسميّة، في نظر بعضهم، الخطر الذي يهدّد الطلاب، فيما يتمّ تناسي الخطر الأساسي والحقيقي الذي واجهه اللبنانيّون جميعًا: العدوان الإسرائيلي، والحرب، وإقفال المدارس، وسقوط الشهداء والجرحى، والخسائر الاقتصاديّة والاجتماعيّة الهائلة التي تكبّدها الوطن. أمّا الامتحانات الرسميّة، فظروفها تبقى موضع متابعة وبحث وتقييم حتى اللحظة الأخيرة، بما يضمن عدم تعريض أيّ طالب لأيّ خطر، وبما يسمح باتخاذ القرارات المناسبة وفق المعطيات المتوافرة.
في المقابل، يبدو أن البعض يريد إلغاء الامتحانات مهما كان الثمن، ومن دون أيّ نقاش جدّي في الظروف والمعطيات. فالدعوات إلى الإلغاء بدأت منذ نيسان الماضي، أي قبل اتّضاح صورة الواقع التربوي والأمني وقبل معرفة مسار الأحداث. وكأنّ القرار كان جاهزًا سلفًا بغضّ النظر عن الوقائع التي يفترض درسها بهدوء لاتّخاذ القرار المناسب في وقته.
وهنا تبرز تساؤلات مشروعة برسم الرأي العام: لماذا هذا الاستعجال في المطالبة بإلغاء الامتحانات قبل أوانها؟ لماذا هذا الضغط الهائل؟ ومَن يقف خلفه؟ ومن المستفيد منه؟ ولماذا هذا الإصرار على إعفاء طلابنا من واجب الدرس والتحصيل والتقويم؟
إنها أسئلة تستحقّ الإجابة، لأنّها تتعلّق بمستقبل التعليم في لبنان وبقيمة الشهادة اللبنانيّة التي شكّلت لعقود طويلة مصدر فخر واعتزاز.
أما أسفي اليوم، فليس على الذين يرفعون سقف المزايدات، بل أسفي الحقيقي على أصحاب الاختصاص الذين يعرفون الحقيقة ويخشون قولها، وعلى التربويّين الذين يفضّلون الصمت على إبداء الرأي، وعلى الذين يتردّدون في إعلان مواقفهم علنًا خوفًا على شعبيّتهم أو على صورتهم أمام الرأي العام.
لقد أصبحنا في زمن باتت فيه الشعبويّة أقوى من الموقف، وأصبح بعض الناس يقيسون كلماتهم بميزان التصفيق لا بميزان القناعة، ويحسبون ردود الفعل أكثر مما يحسبون مصلحة الوطن والتربية. وأصبح الصمت عند البعض أكثر ربحًا من قول الحقيقة.
أسفي على وطن يدمّر نفسه بنفسه، ويشارك بعض أبنائه ومسؤوليه ونخبه في هدم آخر معاقل القوّة فيه. فحين يتراجع صوت أهل الاختصاص أمام ضجيج الشعبويّة، وحين يخاف أصحاب الرأي من قول الحقيقة، وحين تصبح المواقف رهينة حسابات الشعبيّة، نكون قد بدأنا فعليًا بخسارة ما هو أكبر من امتحان رسمي وأكبر من سنة دراسيّة، لأنّنا نكون نخسر ثقافة المسؤوليّة نفسها.
وأمام هذا المشهد، لا أجد أبلغ من قول الشاعر:
أمّتي كم صنمٍ مجَّدتِهِ
لم يكن يحملُ طُهرَ الصنمِ
لا يُلامُ الذئبُ في عُدوانِهِ
إن يَكُنِ الراعي عدوَّ الغنمِ
*نقيب المعلمين في المدارس الخاصة










0 تعليق