مضيق لبنان - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مضيق لبنان - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 08:46 صباحاً

لم يعد لبنان ساحة جانبية في حرب الآخرين. صار، في هذه اللحظة، مضيقاً سياسياً وعسكرياً يوازي مضيق هرمز استراتيجياً: تمرّ به 50 في المئة من منطق التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة، و50 في المئة من منطق الحرب الإسرائيلي، ويعود الفضل في المرورين إلى حزب الله وتحويله لبنان مرة أخرى إلى نقطة اختناق بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وإلى ورقة ضغط في مفاوضات أوسع تتولاها عواصم لا تدفع الثمن اللبناني المباشر.

 

إيران تقول إنها تدعم الحزب في مواجهة إسرائيل، وتربط وقف التصعيد بوقف القصف على الضاحية الجنوبية. بهذا المعنى، ففي نظر طهران، لبنان دولة بلا قرار، والـ"ضاحية" دويلة لها قرار، ولبنان كله - حتى جنوبه - أداة جغرافية في معادلتها للردع البالي. أما إسرائيل، فتتعامل مع مناطق الضاحية والجنوب والبقاع باعتبارها امتداداً لبنية حزب الله العسكرية، وتقول إن من حقها ملاحقة قادته أينما وجدوا، حتى في قلب بيروت. وبين الخطابين، تضيع الدولة اللبنانية: لا هي قادرة على منع حزب الله من إطلاق النار، ولا قادرة على منع إسرائيل من الردّ، ولا قادرة على إقناع الخارج أن بيروت ليست صندوق بريد حربياً.

 

الأخطر أن الحرب تكشف خللاً بنيوياً في ميزان القوة: حزب الله يتحدث بلغة الانتصار، لكنه عاجز عن وقف التوغل الإسرائيلي المطلّ على النبطية. صواريخه قد تربك شمال إسرائيل، ومسيراته الصغيرة قد تؤذي المتوغلين، لكن عبثاً الانتصار بتدمير ميركافا فيما محت إسرائيل نحو 80 بلدة من الوجود. والخطاب التعبوي قد يرفع المعنويات داخل البيئة الحزبية، لكنه لا يغيّر حقيقة أن لبنان رهينة معادلة تتحكم بها تل أبيب وحدها. فعندما يصبح الردّ الإيراني مشروطاً بالضاحية، والردّ الإسرائيلي مشروطاً بالشمال، هذا يعني أن القرار اللبناني خرج نهائياً من يد اللبنانيين.

في المقابل، تبدو واشنطن - دونالد ترامب عالقة بين تناقضين: يريد ترامب إنجازاً تفاوضياً مع إيران، وربما يرى في المسار الذي ترعاه باكستان فرصة لصوغ صفقة كبرى تعيد ضبط الإقليم؛ ومن جهة أخرى، لا يريد أن يظهر كمن يقيّد يد إسرائيل أو ينقذ حزب الله. لذلك، يتأرجح خطابه بين توبيخ نتنياهو حين يخشى أن تُفشل حرب لبنان المفاوضات، وبين تشجيع تل أبيب على المضي في تدمير حزب الله حين يريد رفع سقف الضغط على طهران. هذه ليست حيرة شخصية، إنما هذا تعبير عن تناقض أميركي قديم: كيف تفاوض إيران من دون أن تمنحها انتصاراً، وكيف تدعم إسرائيل من دون أن تنفجر المنطقة كلها؟

 

مدفع بشمال إسرائيل يطلق النار باتجاه جنوب لبنان، 14 مارس 2026 (فرانس برس).jpg

مدفع بشمال إسرائيل يطلق النار باتجاه جنوب لبنان، 14 مارس 2026 (فرانس برس).jpg

 

هنا يصبح "مضيق لبنان" جزءاً من مفاوضات باكستان، حكماً. فإيران تدرك أن ورقة حزب الله هي أهم أوراقها "غير النووية". وإسرائيل تدرك أن لحظة التفاوض مع طهران قد تكون آخر فرصة لتغيير قواعد اللعبة في لبنان بالقوة. أما الولايات المتحدة، فتريد من لبنان أن يهدأ كي تنجح الصفقة، لكنها لا تملك - أو لا تريد - فرض تهدئة كاملة على إسرائيل. لذلك يتحول لبنان إلى اختبار: إن أمكن ضبط النار فيه، يمكن إنقاذ المفاوضات. وإن انفلتت الجبهة، قد تُجهض الصفقة قبل أن تولد.

السيناريو الأول هو استمرار الحرب محدودةً: ضربات إسرائيلية متقطعة في الضاحية والجنوب، وردود من حزب الله وإيران ضمن سقف لا يشعل حرباً شاملة. هذا الأكثر ترجيحاً على المدى القصير، لأنه يسمح لكل طرف بأن يقول إنه لم يتراجع. لكنه أيضاً الأكثر استنزافاً للبنان، لأنه يحوّل الحرب إلى حالة يومية مفتوحة، بلا نصر، بلا تسوية. السيناريو الثاني هو توسع التوغل الإسرائيلي، مع محاولة فرض منطقة عازلة أعمق داخل لبنان. هذا يعني عملياً إضعاف حزب الله عسكرياً، لكنه يحمل خطراً كبيراً: كلما توسعت إسرائيل برياً، زادت حاجة إيران إلى ردّ مباشر كي لا تبدو كمن تخلّى عن ذراعها الأقوى. عندها قد ينتقل لبنان من ساحة ضغط إلى شرارة حرب إقليمية. السيناريو الثالث هو الصفقة الموقتة: وقف نار في لبنان مقابل تقدم في المفاوضات الأميركية - الإيرانية، مع تعهدات حول الحدود وسلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني. 

لكن هذا السيناريو يحتاج إلى ما لا يملكه لبنان حالياً: دولة قادرة على تنفيذ التعهدات، وحزب مستعد للتراجع، وإسرائيل تقبل بضمانات سياسية بدلاً من الضمانات العسكرية. أما السيناريو الرابع، فهو الأخطر: انهيار الوساطة، واعتبار كل طرف أن الوقت يعمل ضده. عندها قد يتحول "مضيق لبنان" إلى نقطة إغلاق شاملة: ضربات إيرانية أوسع، ردود إسرائيلية أعنف، تدخل أميركي مباشر، أو غير مباشر من طريق سوريا مثلاً. في هذه الحالة، من يستطيع إيقاف الحرب؟

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق