نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فخ "الرقم 9"... 10 حيل تسويقيّة تقعون في شباكها يومياً! - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 11:57 صباحاً
تزدحم الفضاءات الرقمية والشوارع بعباءات التجارة وألوانها، وتتنافس العلامات التجارية على قضم الحصص الأكبر من الأسواق. ومع ذلك، نجد أنفسنا منجذبين بوعي أو دونه نحو علامات تجارية بعينها، متمسكين بها حتى وإن فاقت أسعارها البدائل المتاحة بكثير.
وهنا يكمن السر؛ فالأمر لا يتعلق بجودة المنتج أو طبيعته فحسب، بل بقوة التسويق وبناء الصورة الذهنية للعلامة التجارية. لم يعد التسويق مجرد أداة لبيع البضائع وتصريفها، بل تحوّل إلى سلوك بشري يتقاطع مع أدق تفاصيل حياتنا. فنحن كأفراد، نمارس التسويق يومياً وبطرق شتى؛ نسوّق لمهاراتنا في بيئات العمل لنيل الترقيات، بل إننا نسوّق لأنفسنا حتى في علاقاتنا العاطفية لتبسيط عيوبنا وإبراز أفضل ما لدينا لكسب قلوب من نحب. ووسط هذا السعي المشترك للفت الانتباه، تنجح بعض العلامات والشخصيات في امتلاك تلك 'الجاذبية المغناطيسية' التي تأسر الآخرين وتوجّه بوصلتهم تلقائياً.
ما هي أبرز الحيل التسويقية التي توجّه سلوك المستهلك؟
ومع الطفرة المتسارعة للخوارزميات، وتبدّل سلوك المستهلك الرقمي، قفزت أساليب التسويق إلى مستويات بالغة التعقيد والذكاء. وفي هذا السياق، التقت "النهار" خبير استراتيجيات الأعمال والتسويق ومؤسس شركة "تين مايلز كونسلتنسي"، محمد حمزة، الذي فكّك الشيفرات الخفية لـ10 حيل تسويقية غير مرئية نقع في شباكها يومياً دون أن ندرك.
تأثير الطُعم (Decoy Effect)
يقوم هذا التكتيك على إقحام خيار ثالث "وهمي" بسعر مرتفع ومواصفات قريبة من الخيار الأعلى، لا بقصد بيعه، بل لجعل الخيار الأغلى يبدو للمستهلك وكأنه الأكثر منطقية والوفر الأكبر.
تأثير غرون (Gruen Transfer)
تتمثل في هندسة المولات والمتاجر الكبرى بطريقة دائرية ومربكة تفقد الزائر إحساسه بالزمن والاتجاهات، بهدف إطالة أمد بقائه، ما يرفع تلقائياً من وتيرة "الشراء الاندفاعي".
التثبيت النفسي للسعر (Price Anchoring)
تعمّد عرض السعر الأصلي مرتفعاً جداً، ليظهر السعر المعدّل الحالي كأنه "فرصة العمر" التي لا تُفوّت، ولو كان المنتج ترفيهياً أو غير ضروري في الأصل.
التسويق الحسي الخفي (Sensory Branding)
توظيف روائح مخصصة، وإضاءات مدروسة، وموسيقى ذات إيقاع مدروس داخل المتاجر، لتحفيز مشاعر الراحة، أو الجوع، أو الاسترخاء، وتوجيه قرار الشراء دون وعي من الزائر.
الندرة الرقمية المفتعلة (Artificial Scarcity)
بث رسائل فورية وموقوتة للمستهلك مثل: "تبقت قطعتان فقط" أو "يتابع هذا العرض 20 مستخدماً الآن"، لإشعال فتيل "الخوف من فوات الفرصة" (FOMO) لتسريع قرار الشراء.
وهم المكافآت وبرامج الولاء
تقديم نقاط ومكافآت تبدو سخية، لكنها في العمق تدفع المستهلك لشراء سلع لا يحتاجها لمجرد الحفاظ على مرتبته أو عدم خسارة نقاطه، وتعتمدها كبرى شركات الطيران والمقاهي العالمية مثل "ستاربكس".
مقهى ستاربكس
التبييض الأخضر (Greenwashing)
رفع شعارات برّاقة ومخادعة مثل "طبيعي 100%" أو "صديق للبيئة". تهدف هذه المناورة إلى بناء هالة من المسؤولية المجتمعية والمستدامة حول الشركة، حتى لو كان نشاطها الفعلي بعيداً عن ذلك تماماً.
شهادات النجاح الانتقائية
تسليط الضوء على حالات نجاح استثنائية ونادرة (مثل: "خسرتُ 10 كيلوغرامات في شهر" )، لإيهام المستهلك بأن هذه النتيجة حتمية وعامة، مع تغييب حقيقة أن الأجسام والاستجابات تختلف بنيوياً.
هندسة النظر والدراسات السلوكية
ترتيب البضائع على الرفوف بعناية فائقة، بحيث توضع المنتجات الأعلى ربحية وثمناً في محاذاة مستوى عين المستهلك مباشرة، بينما تُقصى المنتجات الأرخص إلى الرفوف العليا أو السفلية.
سحر الرقم 9 (أثر الرقم الأيسر)
تسعير السلعة بـ 99 دولاراً بدلاً من 100. يميل العقل البشري تلقائياً إلى قراءة الرقم الأول من اليسار، فيترسخ لديه انطباع بأن السعر منخفض وفارق هائل، رغم أن الفارق الفعلي هو دولار واحد فقط.
سيكولوجيا الإعلانات: كيف يُستهدف العقل في التسويق؟
في مقلب آخر متمم للصورة، تشرح كارول سلفاني، طالبة الماستر في علم النفس في الجامعة اللبنانية، لـ"النهار" الآلية النفسية التي تترجم هذه السلوكيات، موضحةً أن الدماغ البشري ينقسم وظيفياً إلى: العقل الواعي والعقل اللاواعي. "إن العقل الواعي هو المسؤول عن الإدراك والمحاكمة المنطقية واتخاذ القرارات، لكنه لا يشكّل سوى جزء بسيط مقارنة بالمخزن الهائل للعقل اللاواعي، الذي يقبع في عمقه كمّ هائل من الذكريات، التجارب، والمعتقدات المتراكمة".
وتضيف أن التسويق الحديث بات يركّز ثقله على استهداف هذا "العملاق النائم"، عابراً فوق حواجز المنطق والوعي. يتم ذلك من خلال استثارة المشاعر وصياغة الانطباعات العاطفية أولاً، لتأتي خطوة الشراء لاحقاً كتحصيل حاصل، مستعينة بالمؤثرات البصرية، المونتاج السريع، وضخ طاقة رمزية في السلعة.
من الذاكرة إلى سلة المشتريات
الحنين والروابط الأسرية
تضرب سلفاني مثلاً بإعلانات المنتجات الغذائية التي توظف صورة "الجدّة" وهي تظهو وسط أبخرة الطهو الدافئة، واجتماع العائلة حول المائدة. هذا المشهد لا يبيع طعاماً، بل يبيع "الحنين" والارتباط العاطفي بالأمان الأسري.
الراحة والتخلص من العبء
يتجلى الأمر ذاته في إعلانات مساحيق التنظيف؛ حيث يبدأ المشهد بطفل يسبّب فوضى عارمة (مثير للقلق)، يليه فوراً تدخل المنتج ليعيد النظافة السحرية، ما يمنح المشاهد شعوراً فورياً بالارتياح وتوفير الجهد.
التميز والوجاهة
أما في عالم السيارات، فيتراجع الحديث عن السعر المجرّد لحساب الترويج للمزايا، الرفاهية، وتسهيلات التقسيط، لمخاطبة شرائح مجتمعية متعددة بناءً على تطلعاتها الطبقية والنفسية.
صورة تعبيرية عن التسوق (ذكاء اصطناعي)
الإعلانات بين الدوافع النفسية والتأثير الاجتماعي
لم يعد فعل الشراء مرتبطاً بالحاجة البيولوجية أو المادية الصرفة، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى "تنفيس نفسي". إذ يلجأ قطاع واسع من المستهلكين إلى التسوّق كآلية دفاعية لتحسين المزاج الطارئ أو التخلص من ضغوط العمل والتوتر اليومي، تضيف سلفاني.
كذلك، تبرع الماكينات الإعلانية في اللعب على أوتار "المكانة الاجتماعية"، حيث تسوّق لمنتجات تعكس نمط عيش باذخاً، دافعةً فئات مجتمعية لشرائها محاكاةً للرفاهية، حتى وإن كانت قدراتهم الشرائية الفعلية لا تتيح لهم هذا الترف. ولا يغيب عن المشهد قطاع منتجات الرشاقة والتنحيف، الذي يقتات على الضغوط النفسية والاجتماعية المرتبطة بـ"الجسد المثالي"، عبر تصدير قصص نجاح منتقاة توحي للمستهلك بالوصول إلى نتائج سحرية وخاطفة.
تختم سلفاني: "تتفاوت مستويات التأثر بهذه الاستراتيجيات الملتوية بين الأفراد؛ ثمة من يمتلك حصانة ووعياً نقدياً يفرملان اندفاعه أمام بريق الإعلانات، وثمة من يجد نفسه منساقاً للشراء دون مبرر موضوعي. غير أن الثابت الحقيقي هو أن التسويق المعاصر قد غادر مربع الترويج التقليدي للبضائع، ليصبح علماً قائماً على تفكيك السلوك البشري وسبر أغوار آليات اتخاذ القرار، مطوّعاً المشاعر والذكريات لخدمة حركة الأسواق وشهية الاستهلاك".










0 تعليق