صناعة المؤتمرات في الإمارات: نمو وتأثير اقتصادي كبير - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صناعة المؤتمرات في الإمارات: نمو وتأثير اقتصادي كبير - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 02:46 مساءً

في صباح عادي من شهر تشرين الأول/أكتوبر، تهبط في مطارات دولة الإمارات العربية المتحدة عشرات الطائرات الآتية من آسيا وأوروبا وأفريقيا والأميركيتين. على متنها رجال أعمال ومستثمرون وخبراء ورواد أعمال ووفود جاءت من كل مكان. بعضهم يقصد مؤتمراً أو معرضاً عن الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا المالية، وآخرون لا يظهرون كثيراً في الصورة العامة، لكنهم يملؤون غرف الاجتماعات على هامش الفعاليات. خلال أيام قليلة تمتلئ الفنادق، وتنشط حركة النقل الجوي والبري، وتزدحم المطاعم ومراكز التسوق، وتتحوّل قاعات المؤتمرات إلى مساحات حية للقاءات بين شركات عالمية ومستثمرين وصناع قرارات. غير أن ما يجري خلف هذا المشهد أكبر كثيراً من حركة الزوار. بين أروقة المعارض وقاعات المؤتمرات تُولَد أفكار جديدة، وتُوقَّع عقود، وتُبنَى شراكات، وتُرسَم استراتيجيات استثمارية قد تبقى آثارها ممتدة سنوات بعد إسدال الستار على الحدث.

لهذا لم تعد المؤتمرات والمعارض في الإمارات نشاطاً سياحياً أو تجارياً موسمياً، بل صارت صناعة اقتصادية متكاملة، وإحدى الأدوات التي توظفها الدولة لتعزيز مكانتها على خريطة الاقتصاد العالمي. ما كان يُنظَر إليه قبل عقود قليلة من الزمن بوصفه نشاطاً داعماً للسياحة، أصبح اليوم جزءاً من البنية الاقتصادية للدولة، ومصدراً مهماً للقيمة المضافة والوظائف والاستثمارات، وعنصراً مؤثراً في ترسيخ صورة الإمارات كواحدة من أكثر الاقتصادات انفتاحاً وحيوية في العالم.

 

مؤتمر في دبي. (وام)

مؤتمر في دبي. (وام)

 

يُعرَف هذا القطاع عالمياً باسم صناعة "الاجتماعات والحوافز والمؤتمرات والمعارض" (Meetings, Incentives, Conferences, and Exhibitions أو MICE)، وهو صناعة تتنافس عليها المدن الكبرى لما تولّده من إنفاق مباشر وعوائد اقتصادية بعيدة الأجل. وخلال السنوات الأخيرة، نجحت الإمارات في تثبيت موقعها كواحدة من أبرز وجهات هذه الصناعة عالمياً، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وبنيتها التحتية المتقدمة، وشبكة النقل الجوي الواسعة التي تربطها بمئات الوجهات الدولية.

 

أرقام تعكس قوة التأثير الاقتصادي

 

تكشف الأرقام الحديثة حجم هذا التحول بوضوح. في أبوظبي، سجلت مجموعة "أدنيك" خلال عام 2024 مساهمة اقتصادية قياسية بلغت 8.5 مليارات درهم (نحو 2.3 ملياري دولار)، بعدما استضافت أكثر من ألف فعالية وجذبت أكثر من 5.4 ملايين زائر. كذلك ساهمت الفعاليات التي نظمتها المجموعة في تسهيل صفقات واستثمارات بمليارات الدراهم في قطاعات متنوعة. هذه الأرقام توضح بجلاء أن اقتصاد المؤتمرات لم يعد نشاطاً هامشياً أو قطاعاً فرعياً تابعاً للسياحة، بل أصبح صناعة قائمة بذاتها وذات وزن حقيقي في الاقتصاد الوطني.

وحقق مركز دبي التجاري العالمي خلال عام 2025 أثراً اقتصادياً قياسياً بلغ 25.03 مليار درهم (نحو 6.8 مليارات دولار)، وهو أعلى رقم في تاريخه. استضاف المركز 108 فعاليات كبرى جذبت أكثر من 2.18 مليوني مشارك، بينهم نحو 947 ألف زائر دولي. كذلك أضافت هذه الفعاليات وحدها 14.66 مليار درهم (نحو أربعة مليارات دولار) إلى الناتج المحلي لدبي، وساهمت في دعم أكثر من 94 ألف وظيفة عبر قطاعات مختلفة. وتشير البيانات إلى أن كل درهم يُنفَق داخل منظومة فعاليات المركز يولّد نحو 5.5 دراهم في الاقتصاد الأوسع، بما يعكس قوة الأثر المضاعف الذي تتمتع به صناعة المؤتمرات.

 

ما وراء الإنفاق المباشر: القيمة طويلة الأجل

 

وعندما يُذكَر أثر المؤتمرات والمعارض، كثيراً ما يذهب الذهن أولاً إلى إشغال الفنادق أو زيادة إيرادات المطاعم وشركات الطيران. وهذا صحيح إلى حد بعيد، فالقطاعات المرتبطة بالضيافة والسفر تحقّق مكاسب كبيرة خلال الفعاليات الكبرى. لكن الصورة الأوسع لا تتوقّف هنا. الزائر الذي يحضر مؤتمراً دولياً ينفق على الإقامة والتنقل والتسوق والترفيه، وكثيراً ما تكون مدة إقامته أطول من السائح التقليدي. وتشير بيانات إلى أن متوسط إنفاق الزائر الدولي المرتبط بالفعاليات في دبي يتجاوز 9,900 درهم (نحو 2,700 دولار) خلال الزيارة الواحدة، بينما يصل متوسط مدة الإقامة إلى 5.6 أيام.

ومع ذلك، لا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الصناعة فقط في الإنفاق المباشر أو غير المباشر، بل أيضاً في ما يُعرَف بالأثر بعيد الأجل. كثير من النتائج الاقتصادية التي تولّدها المؤتمرات لا يظهر في الإحصاءات السنوية، ولا يمكن قياسه بسهولة بالأرقام. قد تقرّر شركة عالمية افتتاح مكتب إقليمي في الدولة بعد مشاركتها في معرض تكنولوجي، أو يختار صندوق استثماري توجيه جزء من أمواله إلى مشاريع إماراتية بعد سلسلة اجتماعات عقدها خلال مؤتمر اقتصادي، أو تنشأ شراكة بحثية بين جامعة محلية ومؤسسة دولية على هامش ملتقى علمي. وقد تبدأ محادثة قصيرة بين مستثمر ورائد أعمال، ثم تتحول بعد أشهر أو سنوات إلى مشروع جديد. هذه النتائج لا تظهر عادة في البيانات الرسمية، لكنها تمثّل جزءاً مهماً من القيمة الاقتصادية الحقيقية التي تولّدها المؤتمرات.

 

الإمارات في المنافسة العالمية على صناعة المؤتمرات

 

لم تصل الإمارات إلى هذه المكانة بالمصادفة. لا تنافس الدولة على استضافة المؤتمرات من أجل ملء الفنادق أو قاعات العرض فقط، بل كذلك من أجل ترسيخ موقعها كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وبين الأسواق المتقدمة والناشئة. وعندما تنجح أبو ظبي أو دبي في استقطاب مؤتمر عالمي، هي لا تستضيف حدثاً لبضعة أيام فحسب، بل تستقبل شبكة كاملة من العلاقات الاقتصادية والتجارية والمعرفية. من هنا يمكن فهم المنافسة الشرسة بين المدن العالمية الكبرى على استضافة المؤتمرات الدولية. تنافس أبو ظبي ودبي عدداً من أبرز وجهات المؤتمرات والمعارض العالمية مثل سنغافورة وبرشلونة وفيينا ولاس فيغاس وهونغ كونغ، وتسعى إلى تعزيز موقعها من ضمن هذه النخبة الدولية. وفي هذه المنافسة لا تُقَاس القوة بعدد القاعات أو الفنادق فقط، بل بقدرة المدينة المعنية على استقطاب الشركات العالمية والمستثمرين وصناع القرارات والمواهب والكفاءات.

 

image8_143931.jpg

 

يساعد الإمارات في ذلك موقعها الجغرافي الذي يضعها على مسافة ساعات قليلة من معظم سكان العالم، إضافة إلى بنيتها التحتية المتطورة، وشبكة الطيران العالمية التي تربطها بمئات الوجهات، وقطاعها الفندقي الضخم، وبيئة الأعمال المرنة التي تجعلها وجهة مفضلة للشركات والمستثمرين. لكن العنصر الأهم ربما يتمثل في قدرة الدولة على إدخال المؤتمرات في قلب استراتيجيتها الاقتصادية الأشمل، لا التعامل معها كفعاليات منفصلة عن مسار التنمية.

المؤتمرات في خدمة اقتصاد المستقبل

 

اللافت أن أبرز المعارض والمؤتمرات التي تستضيفها الإمارات ليست عشوائية، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقطاعات التي تراهن عليها الدولة في المستقبل. أصبح "جيتكس غلوبال" واحداً من أكبر التجمعات العالمية للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والشركات الناشئة. أما "جلفود" فقد تحول إلى منصة عالمية تجمع المنتجين والموزعين وصناع القرارات في قطاع الغذاء، وهو قطاع تكتسب أهميته بعداً إضافياً في منطقة تجعل من الأمن الغذائي أولوية استراتيجية. ويعكس معرض الدفاع الدولي "آيدكس" المكانة المتنامية للإمارات في الصناعات الدفاعية والتقنيات العسكرية المتقدمة، فيما يرسخ "أراب هيلث" حضور الدولة في قطاع الرعاية الصحية والتكنولوجيا الطبية. ويواصل "سوق السفر العربي" دوره كأحد أهم الملتقيات العالمية لقطاع السياحة والطيران والضيافة.

بهذا المعنى، لا تعكس هذه الفعاليات تطور الاقتصاد الإماراتي فحسب، بل أصبحت إحدى الأدوات الداعمة لبناء قطاعاته المستقبلية. هي لا تستقطب الزوار فقط، بل تجذب الأفكار والاستثمارات والشركات والمواهب التي تحتاج إليها الدولة في سعيها إلى ترسيخ موقعها من ضمن الاقتصادات الأكثر تقدماً وتنافسية.

يأتي ذلك في وقت تواصل فيه الإمارات تسريع جهودها لتنويع مصادر الدخل وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية. لقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدولة نحو 1.776 تريليون درهم (نحو 484 مليار دولار) في عام 2024، فيما ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية إلى 75.5 في المئة من الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، تمثل صناعة المؤتمرات والمعارض نموذجاً واضحاً للاقتصاد الحديث، لأنها تجمع بين السياحة والخدمات والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار في نشاط واحد، وتولّد قيمة مضافة مرتفعة من دون الاعتماد على الموارد الطبيعية.

صناعة تنمو مع طموحات الإمارات المستقبلية

 

ومع أن أبو ظبي ودبي تستحوذان على النصيب الأكبر من هذا النشاط، تؤدي بقية الإمارات السبع أدواراً متكاملة في المشهد نفسه. ترسخ الشارقة مكانتها مركزاً للفعاليات الثقافية والمعرفية، وفي مقدمتها معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي تحول إلى أحد أكبر معارض الكتب في العالم، إلى جانب المؤتمرات المرتبطة بالنشر والتعليم والبحث العلمي. وتواصل رأس الخيمة تعزيز حضورها في سياحة الاجتماعات والحوافز بفضل منتجعاتها المتنامية ومرافقها السياحية الحديثة. كذلك تستفيد إمارات مثل الفجيرة من فعاليات مرتبطة بالطاقة والخدمات اللوجستية والنقل البحري، فيما تعزّز عجمان وأم القيوين حضورهما في استضافة الفعاليات المتخصصة. وهكذا، لم يعد اقتصاد المؤتمرات حكراً على مدينة أو إمارة واحدة، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية اتحادية تتوزع فيها الأدوار وفق المزايا التنافسية لكل إمارة.

ومع تزايد الاهتمام العالمي بالاستدامة، بدأت صناعة المؤتمرات تدخل مرحلة جديدة تعرف باسم "المؤتمرات الخضراء". تسعى الإمارات إلى تعزيز حضورها في هذا المجال من خلال الاستثمار في المباني الذكية والطاقة النظيفة وتقليل البصمة الكربونية للفعاليات الكبرى. لقد اتخذت أبو ظبي خطوات مهمة في هذا الاتجاه، فيما تواصل دبي تطوير مرافق حديثة تتوافق مع المعايير البيئية العالمية. ومع تحوّل الاستدامة إلى عامل رئيسي في اختيار وجهات المؤتمرات الدولية، قد تصبح هذه الميزة إحدى أهم نقاط القوة التنافسية للإمارات خلال السنوات المقبلة.

وفي الواقع، يبدو أن مستقبل هذه الصناعة لا يزال يحمل فرصاً أكبر. إن التوسع المستمر في مراكز المعارض، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، والصعود المتسارع لقطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والاقتصاد الأخضر والرعاية الصحية الرقمية، كلها عوامل ستولّد طلباً متزايداً على المؤتمرات والملتقيات المتخصصة. أما مشروع التوسعة الكبرى لمركز دبي للمعارض في مدينة إكسبو باستثمارات تبلغ 10 مليارات درهم (نحو 2.7 ملياري دولار) فيعكس ثقة واضحة في قدرة هذا القطاع على مواصلة النمو خلال السنوات المقبلة.

قد تبدو بطاقة الدخول إلى معرض أو مؤتمر مجرد تصريح عبور إلى قاعة اجتماعات، لكنها في الإمارات أصبحت بداية لسلسلة طويلة من الآثار الاقتصادية والمعرفية والاستثمارية. كل مؤتمر ناجح يضيف إلى إيرادات الفنادق والمطاعم وشركات الطيران، لكنه يعزّز أيضاً رصيد الدولة من العلاقات الدولية والاستثمارات والخبرات والشراكات. ولعل الإنجاز الأبرز الذي حققته الإمارات خلال العقود الماضية أنها لم تجعل المؤتمرات والمعارض أحداثاً موسمية عابرة، بل حولتها إلى جزء من بنيتها الاقتصادية، وإلى أداة فاعلة لرفع مكانتها مركزاً عالمياً للأعمال والابتكار. وفي عالم تتزايد فيه أهمية المعرفة والتواصل والاقتصاد الرقمي، تبدو هذه الصناعة مرشحة إلى دور أكبر في المستقبل، ليس فقط كمصدر للدخل، بل كجسر يربط الإمارات بأكثر القطاعات حيوية وأثراً في الاقتصاد العالمي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق