روكسي.. حين ترى الذاكرة ما لا تراه العين! - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
روكسي.. حين ترى الذاكرة ما لا تراه العين! - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 09:59 مساءً

دعيتُ فجأة إلى فنجان قهوة في جروبي بروكسي، ولا أدري لماذا شعرت أن الدعوة لم تكن إلى القهوة، بل إلى الماضي. فهناك أماكن لا نزورها بقدر ما نزور أعمارنا فيها. جلستُ أتأمل الشارع الذي كنت أركن فيه سيارتي منذ سنوات طويلة، ثم أمضي على مهل في اتجاه الاتحادية. وأنا القادم من صعيد مصر، كانت مصر الجديدة تبدو لي عالماً مختلفاً داخل القاهرة؛ أكثر هدوءاً واتساعاً وأناقة، وكأن الزمن كان يمر بها في هدوء ووقار. لم تكن مجرد حي سكني، بل كانت حالة من الانسجام بين الإنسان والمكان، وبين الحركة والهدوء، وبين الحاضر والذاكرة.

 

وبينما كنت أنظر إلى روكسي اليوم، قفزت إلى ذهني ساعة «ديلما» السويسرية التي اشتريتها ذات يوم من محل عكاوي بالكوربة. لا أتذكر الساعة نفسها بقدر ما أتذكر الطريق إلى المحل، وواجهته، وحركة الناس من حوله في ذلك الزمن الجميل. ثم سُرقت الساعة بعد ذلك من سيارتي، وبقيت الذكرى. وهنا اكتشفت أن الأماكن لا تحتفظ لنا بالأشياء، وإنما تحتفظ بآثارها فقط. فنحن ننسى كثيراً مما امتلكناه، لكننا لا ننسى أين كنا عندما امتلكناه. وقد يكون هذا هو سر الحنين؛ أننا لا نشتاق إلى الأشياء بقدر ما نشتاق إلى أنفسنا ونحن معها.

 

نظرت حولي فوجدت أن روكسي التي في الذاكرة ليست هي روكسي التي أمامي. كثرة الباعة الجائلين أعادت إلى ذهني العتبة. وليس في ذلك أي انتقاص من العتبة، فالعتبة عظيمة لأنها تشبه نفسها، ولأن لها روحها الخاصة التي صنعها تاريخها وحركتها وضجيجها. لكن المدن، مثل البشر، لكل منها شخصيتها التي لا ينبغي أن تستعيرها من غيرها. فجمال العتبة أن تبقى عتبة، وجمال روكسي أن تظل روكسي. فالبحر لا ينافس النيل، والنيل لا يقلد البحر. ولكل مكان حقه في أن يحتفظ بملامحه التي عرفه الناس بها وأحبوها. حتى إن بعض الواجهات والمطاعم الجديدة بدت لي وكأنها جاءت من حكاية أخرى، لا من الحكاية التي عرفت بها مصر الجديدة عبر عقود طويلة؛ ناجحة ومزدحمة، لكنها لم تنسجم بعد مع روح المكان وذاكرته.

 

وغادرت جروبي وأنا أفكر أن الحفاظ على الجمال أصعب من صناعة الجمال. فنحن نعيش في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي طفرة عمرانية غير مسبوقة؛ من المونوريل إلى العاصمة الإدارية الجديدة، ومن الطرق والمحاور الحديثة إلى البرج الأيقوني الذي أصبح علامة معمارية بارزة. وكلها إنجازات تدعو إلى الفخر والتقدير. لكن الجمال الجديد يدعونا أيضاً إلى أن نحافظ على الجمال القديم، وأن نصون روح مصر الجديدة والكوربة والاتحادية وروكسي. فالأمم العظيمة لا تبني المستقبل على أنقاض ذاكرتها، وإنما تجمع بين حداثة الغد وأصالة الأمس. والعين ترى ما بقي، أما الذاكرة فترى ما رحل. ولذلك نظل نعود إلى بعض الأماكن، لا لنراها، بل لنرى أنفسنا فيها مرة أخرى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق