دينا الحسيني تكتب: ما وراء شائعة "الشاطر".. كيف صنعت "الإرهابية" مظلومية زائفة قبل 30 يونيو؟ - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دينا الحسيني تكتب: ما وراء شائعة "الشاطر".. كيف صنعت "الإرهابية" مظلومية زائفة قبل 30 يونيو؟ - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 11:05 مساءً

في كل عام، ومع اقتراب ذكرى 30 يونيو، تعود إلى المشهد العام حالة من إعادة تدوير الروايات القديمة وإحياء سرديات مثيرة للجدل، وكأن الهدف ليس قراءة الماضي بقدر ما هو إعادة تشكيل الحاضر عبر بوابة العاطفة والمظلومية، لا عبر الوقائع التاريخية الثابتة.

 

وتتكرر الظاهرة نفسها: أخبار غير مؤكدة، روايات يصعب التحقق منها، وشائعات تنتشر بسرعة على منصات التواصل، ثم ما تلبث أن تتحول إلى مساحة جدل واسع تُزاح فيها الأسئلة الجوهرية حول ما حدث قبل 30 يونيو وما ترتب عليه، لصالح نقاشات جانبية تستنزف الرأي العام وتشتت الانتباه عن السياق الأكبر.

 

وفي هذا الإطار، جاءت الشائعة الأخيرة حول وفاة القيادي الإخواني خيرت الشاطر داخل أحد مراكز الإصلاح والتأهيل كنموذج واضح لهذا النمط؛ فقد انتشرت الرواية بشكل واسع خلال وقت قصير محمّلة بتفاصيل درامية قبل أن يتم نفيها رسميًا، لتسقط من الناحية الخبرية. لكنها تظل مثالًا على سرعة انتشار المعلومة غير الموثقة وقدرتها على فرض نفسها على المشهد، ورغم أن مراكز الإصلاح تخضع لإشراف قضائي مستقل ونزيه، ورغم أن أسرة الشاطر نفسها لن تُخفي نبأ وفاته داخل محبسه طيلة هذه المدة، فكيف تفعل ذلك ووفاته داخل محبسه ستكون "كارت المتاجرة" الذي جاء على طبق من ذهب للجماعة الإرهابية كما هي عادتها؟

 

إن ما يلفت الانتباه ليس الشائعة في حد ذاتها، بل السياق الذي تظهر فيه وتوقيتها المتزامن مع اقتراب ذكرى سياسية شديدة الحساسية في الذاكرة المصرية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الأسباب التي تجعل هذه الروايات مرتبطة دائماً بمحطات مفصلية في تاريخ جماعة الإخوان. وبالنظر إلى خطاب الجماعة عبر عقود، يتضح أن "سردية المظلومية" لم تكن طارئة، بل كانت أحد المكونات الأساسية في خطابها السياسي والتنظيمي منذ مراحل مبكرة، سواء في فترات الصدام مع السلطة في عهود سابقة، أو خلال فترات التمكين السياسي القصير بعد 2011. ففي مراحل متعددة، اعتمدت الجماعة على تقديم نفسها كطرف يتعرض للتضييق أو الاستهداف؛ وهو خطاب ظهر في محطات تاريخية مثل الاعتقالات الواسعة أو المواجهات السياسية، حيث كانت الجماعة تعيد صياغة تلك الوقائع ضمن إطار "الاضطهاد السياسي".

 

وبعد عام 2013، تصاعد هذا الخطاب بشكل أكبر مع أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة، وما تبعها من إجراءات أمنية ومحاكمات، والتي ساقها أنصار الجماعة كنموذج للاضطهاد، مما خلق بيئة خصبة لاستمرار خطاب المظلومية كأداة لإدارة الحاضر والتأثير على الرأي العام. إن الملاحظة الأهم في السنوات الأخيرة ليست فقط في وجود اختلاف في التفسير، بل في محاولة بعض الخطابات السياسية إعادة إنتاج الذاكرة عبر روايات موازية للوقائع، فبدلاً من العودة إلى السياق الكامل للأحداث التي سبقت 30 يونيو وما شهدته البلاد من احتجاجات شعبية واسعة واتفاق مجتمعي على فشل جماعة الإخوان ومكتب الإرشاد في إدارة الصالح العام للبلاد، يتم التركيز على أحداث منفصلة تُقدَّم بمعزل عن سياقها لتشكيل صورة مختلفة عن التاريخ القريب.

 

وهنا تصبح الشائعات جزءاً من بناء رمزي يخلق حالة من الانقسام، ويدفع النقاش بعيداً عن الأسئلة الأصلية إلى معارك حول التفاصيل، خاصة وأن 30 يونيو يمثل لحظة فاصلة ارتبطت بخروج ملايين المواطنين اعتراضاً على حكم الجماعة، مما جعله حدثاً شديد الحساسية في الوعي العام. إن خطورة هذه الشائعات لا تكمن فقط في كونها غير صحيحة، بل في قدرتها على تحقيق تأثير سياسي وإعلامي مؤقت عبر إشغال الرأي العام؛ ففي عالم الإعلام الرقمي لم يعد المطلوب أن تكون الرواية صحيحة لتنتشر، بل يكفي أن تكون مثيرة بما يكفي لتتحول إلى موضوع للنقاش.

 

ومع ذلك، يرى قطاع واسع من المصريين أن التجارب المتراكمة جعلت الوعي العام أكثر حساسية تجاه هذا النوع من الروايات وأكثر قدرة على التمييز بين المعلومات الموثقة وما يُنشر في سياقات مشحونة. في النهاية، ربما لا تكون الأزمة الحقيقية في الشائعة نفسها، بل في منطق إثارة الجدل الذي يهدف لإعادة فتح ملفات قديمة وتحويل النقاش من الوقائع إلى الانطباعات.

 

لكن ما يظل ثابتاً وسط هذا الضجيج هو أن الذاكرة الوطنية لا تُدار بالشائعات، وأن الأحداث المفصلية في تاريخ الشعوب لا تُمحى بإعادة تدوير روايات مؤقتة، مهما تكررت أو تبدلت أدواتها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق