إيمانويل مار: البطولة ليست في متناول الجميع (2/2) - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إيمانويل مار: البطولة ليست في متناول الجميع (2/2) - تواصل نيوز, اليوم الخميس 11 يونيو 2026 03:39 مساءً

بعد "الأشعّة والظلال" لكزافييه جيانولي، تواصل السينما الفرنسية البحث في دفاتر الحرب العالمية الثانية، والاحتلال النازي، وسِيَر المتعاونين معه. هذه المرة عبر "خلاصنا" لإيمانويل مار (مسابقة كانّ 79 - جائزة السيناريو)، الذي يبني نصّه السينمائي اللافت على المراسلات المتبادلة بين جدّه الأكبر وزوجته بوليت في مطلع أربعينات القرن الماضي؛ مراسلات تنضح بالحبّ، لكنها تكشف في الوقت نفسه ملامح حقبة مضطربة تتداخل فيها المشاعر الخاصة مع التحوّلات السياسية الكبرى. على امتداد ساعتين ونصف الساعة، يرسم الفيلم بورتريهاً دقيقاً لرجل يُدعى هنري (سوان آرلو)، يرتبط بنظام فيشي ويتسلل إلى دهاليزه وآلياته الإدارية من بوابة الوظيفة، مدفوعاً باقتناع راسخ بأن ما يقوم به يصبّ في مصلحة فرنسا وإنقاذها. وهو يتسلّح، في كلّ منعطف، ببراغماتية وحنكة عملية تتيحان له تبرير خياراته. غير أن هذه الاقتناعات لا تحول دون انحداره التدريجي نحو التعاون مع المحتلّ، حتى وإن ظلّ أحياناً متموضعاً على ذلك الخط الفاصل بين التواطؤ والامتناع، وبين المشاركة والتبرؤ منها. 

المخرج إيمانويل مار، ابن حفيد هذا الرجل، يمتنع عن الإدانة المباشرة، على الرغم من مواقفه التقدّمية المعلنة، مفضّلاً مساءلة التعقيد الإنساني. في الآتي، مقابلة ”النهار“ في جزئين، مع إيمانويل مار خلال مشاركته في مهرجان كانّ 79. 

* تحدّثتَ عن ضرورة تجاوز الحكم الأخلاقي. كيف جرى ذلك عملياً؟ 
- قامت الفكرة على نقل زاوية النظر من مستوى الأخلاق إلى مستوى التساؤل الأخلاقي الوجودي الأعمق. بمعنى آخر، ما عاد يقتصر السؤال على معرفة ما إذا كانت الشخصية تتصرف على نحو سليم، بل كيف تتصرف؟ وما الآليات التي تدفعها إلى أن تفعل ما تفعله؟ الفيلم يتحدّث عن أشخاص ليسوا وحوشاً. إنه عن بشر عاديين، بالمعنى البديهي للكلمة. وهذا تحديداً ما يبعث على القلق. فعبر التاريخ، لم يكن الذين ارتكبوا الجرائم أشخاصاً تُختزَل هويتهم في تلك الأفعال وحدها، ذلك انهم ارتبطوا بصداقات وعلاقات عائلية وعادات يومية وحياة اجتماعية. وقد بدا لي من المهم أن أعكس هذه الحقيقة. ليس لتبرير أي شيء، ولكن لنفهم أن التاريخ يصنعه العاديون أيضاً. وهذه العادية نفسها هي ما يستحق أن نتساءل في شأنها.

* الفيلم يتجاوز مصير فرد واحد ليروي شأناً جماعياً أوسع. هل كان ذلك في صلب المشروع؟
- نعم. لكن الفيلم يقوم أيضاً على قدر من اللبس. هل يبحث هنري عن خلاصه الشخصي؟ وهل يبحث عنه من خلال البيتانية؟ (نسبة إلى الماريشال بيتان). وهل هو مقتنع حقّاً بأنه يعمل من أجل صون فرنسا؟ كلّ هذه الأسئلة ستبقى مفتوحة.

”خلاصنا“ على الصفحة الأولى لجريدة ”ليبراسيون“.

”خلاصنا“ على الصفحة الأولى لجريدة ”ليبراسيون“.

 

* العنوان الإنكليزي للفيلم، "رجل من زمنه"، يبدو لافتاً. فهو لا يوحي بقصّة تدور في الماضي فحسب، بل يرسم أيضاً صورة لتكنوقراطي لا تزال بعض سماته تجد صدى في حاضرنا.
- عند البحث عن عنوان بالإنكليزية، ينتابنا شعور بأن شيئاً ما سيضيع في الترجمة. عندما اقتُرِح عليّ عنوان "رجل من زمنه"، قلت إننا ربما، بدلاً من أن نفقد المعنى، سنكسب معنى آخر. فالمُشاهد غير الفرنسي لا يملك بالضرورة المرجعيات التاريخية أو الثقافية التي نمتلكها. لذلك قد تفوته بعض الإشارات أو الدلالات. لكن في المقابل، سيلتفت إلى أبعاد أخرى في الفيلم قد تكون بالقدر نفسه من الثراء. ما يعجبني في هذا العنوان أنه يزيح زاوية النظر قليلاً. فعبارة "رجل من زمنه" تطرح سؤالاً يتجاوز الإطار التاريخي المحدّد للحكاية. لا يتعلّق الأمر بالبحث عن انعكاس مباشر لعصرنا، ولا بالقول إن الظروف متطابقة اليوم. المسألة تكمن بالأحرى في فهم ما الذي يصوغ الأفراد داخل حقبة معينة. ما الذي يجعل إنساناً ما ابن الزمن الذي عاش فيه؟ وما القوى التاريخية والاجتماعية أو الإيديولوجية التي تؤثّر فيه وتشكّل مساره؟

* هل من الصعب أن يحمل المرء إرثاً عائلياً كهذا؟
- لم أقارب المسألة من هذه الزاوية. ما كان صعباً ليس اكتشاف أفعاله. المحنة الحقيقية حضرت عندما أصبح من الضروري إعادة تمثيل تلك الوقائع. فقراءة الوثائق أو الاطلاع على الأرشيف شيء، أما إعادة تمثيل بعض المواقف وجعلها تنبض بالحياة أمام الكاميرا، فذلك شيءٌ آخر يولّد نوعاً خاصاً من العنف البسيكولوجي. إذ يجد المرء نفسه في مواجهة أفعال وقرارات ومواقف تكفّ عن كونها مجرد أفكار أو معلومات. إني لا أشعر بالخجل منه. فليست هذه هي الطريقة التي أنظر بها إلى هذه القصّة أو أتموضع إزاءها. في المقابل، أعتقد أن هذا الفيلم قد يأتي بفائدة تتيح لنا تغيير زاوية النظر. فبدل البقاء أسرى الخجل أو الصمت، يدعونا إلى محاولة الفهم. إذا استطاع كلّ شخص النظر إلى ماضيه العائلي بالمزيد من الوضوح والبصيرة، بلا تبرير أو مجاملة، بلا إنكار أو تعامٍ، فربما يكون للفيلم بعض الفائدة.

* يهتم الفيلم بالأفراد العاديين الذين يجدون أنفسهم أمام اختيارات صعبة، أكثر من اهتمامه بالأبطال…
- البطولة ليست شيئاً في متناول الجميع. الأبطال، هم أيضاً، على طريقتهم الخاصة، "وحوش إيجابيون". سلوكهم يخرج عن المألوف. لكن ما يهمّني أكثر هو العادي، ذلك الموقع الذي نقف فيه جميعنا. عندها يصبح السؤال: متى يمكن الإنسان أن يتوقّف؟ كيف تتقدّم الأنظمة السلطوية؟ فالأنظمة نادراً ما تتقدّم عبر انقطاعات مفاجئة، بل عبر مراحل متتالية، لا نكاد نلاحظها. ما يهمّني في شخصية هنري، هو انه لا يقاوم زمنه، وهذا تحديداً ما يجعله، في بعض اللحظات، إنساناً بحقّ.

* هناك مشهد يُطلَب فيه من هنري نوعٌ من الولاء المطلَق. ومع ذلك، في لحظة ما، يرفض أن يشي بأحد زملائه. ما أهمية هذه اللقطة لك؟
- أهميتها في أنها تسمح بتجاوز نظرة مبسّطة جداً للسلوك البشري. فنحن غالباً ما نميل إلى توزيع الأفراد إلى فئتين: هم إما في الجانب الصح أو الخطأ. لكن الواقع أعقد من ذلك. وددتُ أن أُري أن شخصاً يشارك في نظام ويساهم في تشغيله، يمكنه رغم ذلك أن يظهر شجاعة في بعض الظروف. هذه فكرة غير مريحة، ومع ذلك تبدو لي أساسية. فالبشر لا يمكن اختزالهم في بُعد واحد. أنا لا أسعى إلى تبرئة هذه الشخصية، لكنني أعتقد أنه من الضروري أن نكون قادرين على مواجهة هذا التعقيد.

 

سوان آرلو مجسّداً دور الجد الأكبر لمار.

سوان آرلو مجسّداً دور الجد الأكبر لمار.

 

* ألم تفكّر في أداء الدور بنفسك؟
- لا. وهذا يقودنا مباشرةً إلى سوان آرلو. يمتلك سوان شيئاً نادراً جداً. هو بالطبع ممثّل كبير، لكن ما يدهشني فيه هو طريقته في فهم التمثيل، ذلك انه يعتبر الأداء تجربة ينبغي خوضها، وليس عرضاً للمهارة. يضع تقنيته في خدمة حالة من اللايقين. يوافق على عدم معرفة إلى أين يتّجه. هذه القابلية كانت أساسية. كنّا نبحث عن ممثّلين قادرين على العيش داخل لحظة المشهد، تاركين أنفسهم منفتحين على ما يمكن أن يحدث. سوان يمتلك هذه الخاصية. لو كنتُ أنا من جسّد الشخصية، لكان ذلك سيُعيد الفيلم إلى دائرة السؤال العائلي. أردتُ خلق مسافة. كنت في حاجة إلى نظرة خارجية، وإلى محاور قادر على مناقشة الشخصية معي. مع سوان، وجدتُ إمكاناً لحوار حقيقي. استطاع أن يشكّك في بعض النيات، مقترحاً مسارات أخرى، مقاوماً في بعض الأحيان رؤيتي الخاصة. هذا النوع من المواجهة لا يُقدَّر بثمن. ثم، على مستوى عملي جداً، من الصعب أن تتولّى في الوقت نفسه الإخراج وتجسيد شخصية محورية بهذا الحجم. كان ذلك سيشتّت انتباهي على حساب الفيلم.

* يتميّز الفيلم بأسلوب إخراجي معاصر جداً، مع لقطات طويلة وحرية كبيرة في حركة الممثّلين. كما أنك اعتمدتَ على الارتجال. كيف كنتم تُحضّرون هذه المشاهد؟
- ما قلته للممثّلين منذ البداية كان بسيطاً: "لا تحاولوا أن تتكلّموا كما في عام 1940. حاولوا بدلاً من ذلك أن تتخيّلوا أنكم تعيشون فعلاً في العام 1940. والفرق بين الأمرين كبير. لم أبحث عن إعادة بناء لغوية دقيقة، اكتفيتُ بالعيش داخل وضعية معينة. شرحتُ لهم أن دوري يشبه إلى حد ما وظيفة محدِّد المستوى في جهاز تسجيل الصوت. طالما بقينا داخل نطاق معقول ومقنع، كنّا نستمر بحرية. وإذا ظهر شيء غير مناسب أو غير منسجم، سارعنا إلى تصحيحه. أتذكّر مشهداً بدأتْ فيه سكرتيرة تتحدّث عن الأقراص المدمّجة التي كانت تستمع إليها في طفولتها. هنا، بالطبع، كان لا بد من التدخّل. قلتُ لها ببساطة: "الأقراص المدمّجة لا، أما الباقي فنحتفظ به". الفكرة لم تكن تحويل الممثّلين إلى مؤرخين، وإنما تزويدهم ما يكفي من عناصر تغذّي خيالهم: بعض المعلومات الإدارية، معرفة تقنية مرتبطة بالوظائف التي يؤدّونها، وقليل من السياق التاريخي. أما الباقي، فكان يأتي من تجربتهم في التمثيل. لم يحتاجوا إلى أن يعرفوا تفاصيل المرحلة كافة، بل إلى أن يفهموا العالم الذي تتحرك فيه شخصياتهم بما يكفي لكي يتفاعلوا معه بشكل طبيعي. لم أسعَ إلى تزويدهم معرفة موسوعية. فعندما نلتقي مسؤولين كباراً أو مختصين في مجال ما، نكتشف أن أحداً لا يحيط تماماً بكلّ تفاصيل مهنته. لذلك، كانت طريقتي أقرب إلى تزويدهم مادة أولى. ثم كان كلّ واحد منهم يتعامل مع هذه المادة بطريقته الخاصة. اعتدتُ أن أقول لهم بطريقة ما: "هذه هي الأشياء التي وجدتها. اصنعوا منها طريقتكم الخاصة".

* رغم الأسئلة الوجودية والسياسية التي يطرحها الفيلم، ثمّة حضور واضح للفكاهة.
- هذا يرتبط جزئياً بما كنّا نتحدّث عنه حول فكرة "الوحوش". ننسى أحياناً أن المجرمين، أو المسؤولين السياسيين، أو الجلاّدين، يظلّون في النهاية بشراً. بعضهم يمكن أن يكون طريفاً، أو ذكياً، أو لطيف الحضور في المجتمع. هذه حقيقة قد تكون مزعجة، لكنها حقيقة. أتذكّر لحظة معينة جداً أثناء بحثي في الأرشيف. كنت أعمل على وثائق مرتبطة بـ"المفوضية العامة للقضايا اليهودية". أول ملف عاينته كان يحتوي أساساً على شكاوى إدارية من الموظّفين: طلبات تعويض عن وجبات الطعام، اعتراضات على مصاريف النقل، شكاوى تتعلّق بمطعم المؤسّسة. اهتمامات يومية تافهة، فوجدتني أضحك أثناء قراءة هذه الوثائق، ليس لأنها مضحكة في ذاتها، بل لأن هناك شيئاً عبثياً في هذا التناقض بين الرعب التاريخي المرتبط بهذه المؤسّسات، وبين تفاهة التفاصيل اليومية التي تظهر في الأرشيف. صراحةً، ما عدتُ أعرف إن كنتُ أريد أن أضحك أم أبكي. ناقشنا هذه المسألة كثيراً مع مدير التصوير والمونتيرين. وفي بعض المَشاهد، أشرنا حتى إلى مسلسل "ذا أوفيس" كمرجع، ذلك أنه يُظهر بشكل رائع، كيف يمكن البيروقراطية أن تنتج نوعاً من الفكاهة غير المقصودة، وتتناول في الحين نفسه شيئاً أعمق. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق