نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لماذا يسخر التاريخ من شهوده؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 12 يونيو 2026 08:31 صباحاً
هناك أجيال لا تعيش زمناً واحداً، بل تعبر أزمنة متعددة، وتصبح ذاكرتها سجلاً لتحولات مجتمع بأكمله، ولعل جيلي كان من بين تلك الأجيال التي رأت العالم يتغير أكثر من مرة، وشهدت انتقالات حادة بين البساطة الأولى وتعقيدات العصر الحديث.
ولدت في قرية مصرية كانت لا تزال تحتفظ بإيقاعها القديم، حيث كانت الأيام تقاس بمواسم الزراعة، والناس يعرف بعضهم بعضاً، وكانت الحياة، رغم قسوتها، أكثر وضوحاً وأقل ضجيجاً، ثم جاءت الكهرباء، وبعدها التلفزيون، فبدأت ملامح عالم جديد تتشكل، وتسللت إلى البيوت أفكار وصور وأحلام لم تكن مألوفة من قبل.
ومن القرية إلى المدينة، ومن مقاعد الدراسة إلى المكتبات، بدأت رحلة البحث عن المعرفة، رحلة لم تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل امتدت إلى شرق أوروبا وغربها، حيث اختلطت بثقافات مختلفة، واكتشفت أن المسافات بين البشر أقصر كثيراً مما توحي به الخرائط، وأن الإنسان، مهما اختلفت لغته أو معتقده، يبقى أسيراً للأسئلة ذاتها، والخوف ذاته، والأمل ذاته.
وعلى امتداد هذه الرحلة الطويلة، عاصرت تحولات سياسية واجتماعية عميقة، وسقوط أفكار، وصعود أخرى، وشهدت كيف تتغير الشعارات أسرع مما تتغير الحقائق، وكيف تبتلع المصالح كثيراً من المبادئ التي تبدو في لحظة معينة مقدسة وغير قابلة للمساس.
ومع القراءة والبحث والكتابة، أدركت أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الخصوم الكبار، بل تفاهة الأزمنة التي تختلط فيها المعايير، ويصبح الضجيج بديلاً عن المعرفة، والادعاء بديلاً عن الخبرة، وتتحول المنصات إلى ساحات تمنح الصوت الأعلى سلطة أكبر من أصحاب التجربة والرؤية.
لقد رأيت أشخاصاً يتحدثون عن الفضيلة دون أن يعرفوا معناها، وآخرين يحتكرون الوطنية وهم أبعد ما يكونون عنها، بينما عرفت رجالاً ونساءً بسطاء، لم تصنعهم الأضواء، لكنهم امتلكوا من النبل والصدق ما جعلهم أكثر قرباً من جوهر الإنسانية.
ومن مفارقات الزمن أن الذين دفعوا أثماناً باهظة في مواجهة التحولات والعواصف، يجدون أنفسهم أحياناً أمام معارك صغيرة لا تشبه ما عرفوه من قبل، معارك ينتصر فيها الضجيج، وتختلط فيها الحقائق بالأوهام، ويجلس المتفرجون في مقاعد الحكم، بينما يغادر أصحاب التجارب الحقيقية المشهد في صمت.
ولعل هذه هي السخرية التي يقصدها التاريخ، فهو لا يكتفي بتبديل المواقع والأدوار، بل يمنح أحياناً حق رواية الأحداث لمن لم يصنعوها، ويترك أصحاب التجارب الحقيقية يراقبون المشهد بصمت، مثل فرسان عادوا من ساحات طويلة ليجدوا أن آخرين يكتبون قصص المعارك التي لم يخوضوها.
ومع ذلك، يبقى عزاء الإنسان في أنه لم يخن ما آمن به، ولم يساوم على ما اعتبره حقاً، لأن قيمة التجارب لا تقاس بما تمنحه من شهرة أو انتصار، بل بما تتركه من أثر في الضمير والوعي.
فالتاريخ قد يسخر، وقد ينحاز لفترة من الزمن إلى أصحاب الضجيج، لكنه في النهاية لا يحتفظ إلا بمن تركوا أثراً حقيقياً، أما الباقون، مهما علت أصواتهم، فسرعان ما تبتلعهم هوامش النسيان. (كاتب وباحث متخصص في الجيوسياسية والصراعات الدولية»
اقرأ أيضاً
«أحلام دندرة».. صرخة سينمائية في وجه العادات والتقاليدحين تتحول القيم إلى نماذج تُحتذى في زمن «الترند».. من يصنع وعى الأجيال؟











0 تعليق