ديوانيات الكويت.. إرث اجتماعي عريق يترسخ في وجدان التراث العالمي - تواصل نيوز

رياضة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ديوانيات الكويت.. إرث اجتماعي عريق يترسخ في وجدان التراث العالمي - تواصل نيوز, اليوم السبت 13 يونيو 2026 12:54 مساءً

في رحاب ديوانيات دولة الكويت تلتقي ذاكرة التاريخ بنبض الحاضر في امتداد حي يفيض بدفء إنساني خاص حيث يتجلى في أركانها صفاء التلاحم والترابط المجتمعي لتغدو منبراً اجتماعياً وثقافياً يمتد إشعاعه عبر الأجيال ورمزاً راسخاً في الوجدان الإنساني يختزل أصالة التراث وتفرده.

وترسخت الديوانية في عمق الهوية الكويتية منذ البدايات الأولى لتشكل المجتمع فحجزت لها مكانا أصيلا في تصميم البيت الكويتي بوصفها مجلسا مستقلا تشرع أبوابه للضيوف وتلتقي في أرجائه القيم والعادات.

وقد تسامى فيها الكرم والانفتاح والتواصل الاجتماعي وامتزجت في أرجائها قعقعة فناجين القهوة العربية بعبق البخور الفواح وماء الورد الزلال في ترحيب صامت يهيئ أجواء حافلة بالحوار تمتد من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة إلى قضايا الوطن الكبرى.

ويتجلى الامتداد التاريخي العريق للديوانيات في الكويت من خلال أدوارها المتشعبة بما يؤكد أن فلسفة هذا الكيان منذ نشأته قامت على ركيزتين أساسيتين: الحوار المجتمعي والمسؤولية المشتركة تجاه الفرد والدولة على حد سواء وهو ما جعلها جسرا فاعلا لترسيخ القيم الوطنية ومساحة تتلاشى فيها الحواجز بين مختلف مكونات المجتمع.

وعلى مر العقود تجاوزت الديوانية دورها كملتقى اجتماعي لتتحول إلى مدرسة عفوية ومحراب لنقل إرث الأجداد إلى الأحفاد يسقي الأجيال الناشئة قيم الكرم المتأصل ويغرس في وجدانهم بذور المسؤولية المجتمعية ضمن منظومة قيمية متوارثة تجسد في تفاصيلها صور التماسك والأصالة الكويتية.

ومع بزوغ فجر الدولة الحديثة تحولت الديوانية إلى منصة وطنية نابضة رسخت ثقافة الشورى والمشاركة المجتمعية وشرعت أبوابها لندوات فكرية وأمسيات شعرية وملتقيات سياسية واقتصادية صاغت ملامح الوعي العام حتى غدت ركيزة أساسية في الحياة العامة ومكونا رئيسا من مكونات التراث الثقافي غير المادي.

وتتويجاً لهذا الإرث العريق أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» الديوانية الكويتية ضمن عناصر التراث الثقافي غير المادي عام 2025 بما يمثل شهادة عالمية لدورها الريادي في صياغة قيم الحوار والتسامح وإقرارا أمميا بكونها ممارسة إنسانية واجتماعية نابضة بالحياة تجسد هوية المجتمع وتاريخه الممتد عبر الأجيال.

ويبرز هذا الاعتراف الدولي إرادة الدولة في تحويل الموروث الوطني من حيز الممارسة اليومية إلى وثيقة إنسانية عالمية عابرة للحدود ضمن استراتيجية تهدف إلى تعزيز حضور الكويت في المحافل الدولية واستدامة هذا الإرث الحي ونقله للأجيال المقبلة كنموذج فريد للتواصل الإنساني والاجتماعي.

وأكد الأمين العام المساعد لقطاع الآثار والمتاحف بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالتكليف محمد بن رضا أن إدراج الديوانية ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى «اليونسكو» كملف منفرد لدولة الكويت يعد إنجازا وطنيا وثقافيا يعكس مكانتها الحضارية وحرصها على صون تراثها الحي والمحافظة على عناصر هويتها الثقافية الأصيلة.

وأوضح بن رضا أن هذا الاعتراف الدولي يؤكد أن الديوانية ليست مجرد تقليد اجتماعي بل ممارسة ثقافية إنسانية أسهمت تاريخيا في ترسيخ قيم الحوار والتسامح والتلاحم المجتمعي وكانت ولا تزال فضاء لتبادل الرأي ونقل القيم بين الأجيال بما يعزز الهوية الوطنية ويعمق الانتماء المجتمعي.

وأشار إلى أن دولة الكويت ممثلة بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وبالتنسيق مع الجهات المعنية عملت على إعداد ملف الديوانية وفق المعايير الدولية المعتمدة انطلاقا من إيمانها بأهمية حماية عناصر التراث غير المادي من الاندثار أو التشويه في ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة.

وبين بن رضا أن إدراج الديوانية ضمن القائمة الدولية يفتح آفاقا واسعة أمام تفعيل دورها ثقافيا وإعلاميا وتعليميا من خلال تنظيم الندوات والأمسيات الفكرية والبرامج الشبابية وتشجيع البحث الأكاديمي والدراسات المتخصصة بما يسهم في نقل هذا الإرث الثقافي للأجيال المقبلة بصورة مستدامة.

وأكد أن هذا الإنجاز يعزز حضور الكويت الثقافي على الساحة الدولية ويسهم في إبراز الديوانية كنموذج كويتي يعكس قيم الكرم والحوار والتعايش إضافة إلى دورها في دعم السياحة الثقافية وتفعيل أدوات الدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة لدولة الكويت في المحافل الإقليمية والدولية.

وشدد بن رضا على أن الحفاظ على الديوانية مسؤولية مجتمعية مشتركة تتطلب تضافر جهود المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والأفراد لضمان استمراريتها بوصفها تراثا حيا يعكس روح المجتمع الكويتي وقيمه الإنسانية النبيلة.

بدوره أكد رئيس الجمعية الكويتية للتراث فهد العبد الجليل في تصريح مماثل أن الديوانية «أدت دورا كبيرا في تاريخ الكويت وارتبطت بتأسيسها حتى أصبحت جزءا من ثقافتنا وهويتنا الوطنية» وهو الأمر الذي أدرجها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي في «اليونسكو».

وسلط العبد الجليل الضوء على دور الديوانيات العلمي والثقافي الضارب في الجذور مشيرا إلى انطلاق تأسيس مدرسة «المباركية» التي تعتبر أول مدرسة نظامية في الكويت عام 1911 من ديوان الشيخ يوسف بن عيسى القناعي إلى جانب استضافة ديوانية أسرة شعيب في جزيرة فيلكا أول مدرسة نظامية في الجزيرة وهي المدرسة «الصلاحية» الأميرية عام 1937.

وأضاف أن الديوانية شكلت مقرا لعدد من الأندية الأدبية والثقافية منها النادي الأدبي الذي تأسس عام 1924 وكان مقره ديوان السيد محمد صالح الجوعان ونادي العروبة الذي استضافه ديوان العوضي في شرق إضافة إلى النادي الأهلي في ديوان مشعان الخضير.

وأوضح العبد الجليل أن الديوانية عبارة عن غرفة منعزلة في البيت بباب يطل على الخارج وآخر يطل على «الحوش» مشيرا إلى أن أغلب الديوانيات في الماضي كانت تحتوي على مخزن للحطب وأرفف توضع عليها «مرشات» الورد والمباخر وعلب البخور إضافة إلى «وجاغ» وهو عبارة عن حفرة مربعة تبنى من الجص والطين لإعداد القهوة.

وذكر أن الديوانية أو الديوان كما ورد في معاجم اللغة هي مجتمع الصحف أي الكتاب الذي تجمع فيه قصائد الشعراء وهي كذلك المكان الذي يجتمع فيه المتخاصمون للنظر في دعاويهم حيث كانت مكانا لحل المنازعات بين الناس واستخدمت في الماضي من قضاة الكويت لحل المشاكل قبل تأسيس المحاكم الشرعية.

وأوضح أن أهم تلك الديوانيات ديوانية الأسرة الحاكمة التي كان ولا يزال الكويتيون يحرصون على زيارتها في جميع المناسبات في الأفراح والأتراح وكانت في بيت الحاكم في فريج الشيوخ المشهور في مدينة الكويت القديمة قبل تأسيس قصر السيف وقصر دسمان وقصر بيان أخيرا.

من جانبه ذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور عايد الجريد أن أغلب المشاريع الإصلاحية والتعليمية والثقافية في الكويت انطلقت أفكارها من الديوانيات مثل مجلس الشورى الذي طرحت فكرته في ديوانية ناصر البدر بالحي القبلي عام 1921 والمدرسة المباركية التي نوقش أمرها في ديوانية يوسف القناعي وأيضا فكرة تأسيس النادي الأدبي الكويتي في ديوانية الشيخ عبد الله الجابر الصباح الذي تأسس عام 1924 ويعد أول مؤسسة مجتمع مدني في تاريخ الكويت.

وأكد الجريد دور الديوانية الكبير في تثقيف المجتمع في أوائل القرن العشرين مبينا أن من أبرز الديوانيات الفاعلة في هذا الشأن ديوانية عائلة الخالد وديوانية يوسف القناعي حيث كانت تصل إليها الصحف والمجلات من الخارج كالمنار والمقتطف والهلال ويرتادها محبو القراءة فيجتمعون لمطالعتها ومناقشة ما ينشر فيها من معلومات وآراء.

وأوضح أن ديوانية آل خالد كانت ملتقى لرجال العلم والأدب حيث نزل الزعيم التونسي الشيخ عبد العزيز الثعالبي عام 1923 ضيفا عند حمد الخالد الذي كان محبا للعلم والعلماء وخصص مكانا بديوانيته لكل عالم يزور الكويت وهو ما أدى بدوره إلى التقاء رجال العلم الكويتيين بالعلماء والمثقفين العرب.

وأشار الجريد إلى ديوانية الشيخ عبد الله خلف الدحيان التي كانت تعنى بالعلم والأدب مبينا أن العديد من مصلحي الكويت كالشيخ يوسف القناعي والشيخ عبد العزيز الرشيد ويوسف بن حمود ومحمد بن جنديل استفادوا من علم الشيخ الدحيان.

كما نوه إلى مجلس خلف باشا النقيب الذي بادر منه وجهاء البلد لإنشاء مدرسة «الأحمدية» التي تأسست عام 1921 موضحا أن هذا المجلس جمع العديد من الشخصيات الإصلاحية منهم فرحان الخضير مؤسس أول جمعية خيرية وياسين السيد عبد الوهاب الطبطبائي صاحب فكرة المدرسة «المباركية».

وأضاف الجريد أن الفقيه الشيخ محمد بن فارس والشيخ عبد الله الدحيان والشيخ يوسف القناعي والشيخ عبد العزيز الرشيد والشيخ يوسف بن حمود وغيرهم من المصلحين كانوا من رواد هذا المجلس الذي كان يحضره العديد من رجال العلم العرب أيضا ومنهم الشيخ محمد أمين الشنقيطي والشيخ حافظ وهبة المصري.

وتطرق إلى دور ديوانية الأديب أحمد خالد المشاري التي كان يجتمع بها المثقفون كل يوم خميس للحديث في الأدب والشعر وقراءة الكتب والصحف المتوفرة في مكتبة المشاري.

كما أشار الجريد إلى ديوانية الملا حسين التركيت باعتبارها مجلس علم وأدب وثقافة وتبادل الآراء مبينا أنه كان لدى الملا حسين مكتبة زاخرة بمختلف المؤلفات الأدبية والدينية والتاريخية من بينها تاريخ الطبري ودواوين لشعراء مثل المتنبي والبحتري وكانت كل هذه المؤلفات متاحة لكل رواد الديوانية.

ولا شك أن الديوانية غدت مؤسسة مدنية متجذرة وصمام أمان حقيقيا في الأزمات حيث تكشف السجلات التاريخية أنها أدت دورا بارزا في التخفيف من حدة الأزمات الاقتصادية التي واجهت البلاد ولعل أبرز تجليات هذا الدور كان في عام 1868 عندما شرعت الديوانيات أبواب مخازنها لاستقبال الأفراد وتخفيف معاناتهم في مواجهة المجاعة التي وقعت في هذه السنة.

كما عكست الديوانية عبر العقود عمق العلاقة الاستثنائية بين الحاكم والمحكوم في الكويت وشكلت همزة وصل حيوية وقناة اتصال مباشرة من خلال التقليد المتأصل في التكوين الكويتي المتمثل في زيارة الديوانيات وتفقدها الأمر الذي وفر مساحة حرة لطرح المشكلات والقضايا العامة وتبني الحلول لها.

وفي سياق التحولات العصرية لم تعد الديوانيات حكرا على الرجال إذ شهد العصر الحديث انتشارا لافتا للديوانيات النسائية التي أصبحت منصات جوهرية لاجتماع السيدات وتبادل الآراء بينهن حول مختلف القضايا.

وساهم ذلك بشكل مباشر في تعزيز دور المرأة في الحياة العامة وتفعيل حضورها في المشهدين الثقافي والاجتماعي إضافة إلى تحول هذه التجمعات إلى مراكز انطلاق للمبادرات التطوعية والأنشطة النوعية التي تخدم المجتمع.

ورغم الحداثة التي تغلف الديوانيات النسائية فإن بعض المراجع البحثية تشير إلى أن هذه التجمعات تمتلك جذورا ضاربة في القدم حيث كان النساء في الماضي يعقدن اجتماعات دورية تركز في جوهرها على الجوانب الإنسانية عبر مناقشة أحوال المعوزين والمعسرين والبحث عن حلول لمشاكلهم.

وعن المشاركة النسائية في الديوانيات أوضحت الكاتبة سعاد المعجل أن أي حديث عن هذه الديوانيات لا بد أن يسبقه حديث عن دور المرأة الكويتية والذي أفرز هذا التقليد وبشكل مباشر.

وأكدت المعجل أن المرأة الكويتية لم تكن تعيش على هامش المجتمع بل كانت فاعلة اجتماعيا واقتصاديا في حقبة الغوص والسفر حيث تحملت آنذاك مسؤولية إدارة الأسرة ثم تكللت مطالباتها في العام 1937 بافتتاح مدارس البنات النظامية وتبع ذلك مشاركتها السياسية والبرلمانية إثر إقرار حقوقها في العام 2005.

وأضافت: «من رحم هذا المناخ خرجت رائدات تصدرن كافة الأدوار واقتحمن مجالات كانت قاصرة على الرجال وتحديدا الديوانية حيث اشتهرت ديوانية السيدة لولوة القطامي كمركز لتداول شؤون المرأة وحقوقها أما ديوانية الدكتورة سعاد الصباح فقد كانت أقرب للمنتدى الثقافي والفكري».

وأشارت إلى تجربتها الشخصية مع الديوانيات مبينة أنها تختلف بعض الشيء إذ تحرص على الحضور والمشاركة الفاعلة في ديوانيات محددة موضحة أن تلك الديوانيات كانت ملتقى يجمع سياسيين ومثقفين وروادها ومواطنين من مختلف المشارب والاتجاهات.

وذكرت أن هذه الديوانيات تتميز كذلك بحضور شبابي من الجنسين ما يمنحها طابعا مختلفا ويجعلها امتدادا طبيعيا للدور الريادي الذي تؤديه المرأة في الكويت وتجسيدا للإرث الثقافي والفكري الثري الذي تركه رجالات الكويت من الشخصيات الوطنية البارزة.

وأكدت المعجل أن مشاركتها وحضورها المتواصل في الديوانيات يزيدها ثراء في العديد من النواحي في كل يوم مبينة أن الديوانيات في الكويت رجالية كانت أم نسائية أم مختلطة تبقى خاصية كويتية فريدة في شكلها ومضمونها.

للمزيد تابع

خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك

قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى هذا المقال : ديوانيات الكويت.. إرث اجتماعي عريق يترسخ في وجدان التراث العالمي - تواصل نيوز, اليوم السبت 13 يونيو 2026 12:54 مساءً

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق