«للتاريخ».. العدالة توثق شهادتها عن الشهيد هشام بركات - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«للتاريخ».. العدالة توثق شهادتها عن الشهيد هشام بركات - تواصل نيوز, اليوم السبت 13 يونيو 2026 02:43 مساءً

في الأيام التي تستعد فيها الشاشات لعرض الفيلم الوثائقي «هشام بركات.. حكاية المستشار الشهيد»، تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر الصفحات تأثيرًا في تاريخ الدولة المصرية الحديثة صفحة كُتبت بالحبر والقانون، ثم خُتمت بالدم والتضحية.

فالأفلام الوثائقية، مهما بلغت دقتها، تظل محاولة لاستعادة الزمن، ومحاولة لفهم الرجال الذين عبروا تاريخ أوطانهم تاركين وراءهم أثرًا لا يمحوه الغياب.

وحين أعلن قطاع الإنتاج الوثائقي بشركة المتحدة للخدمات الإعلامية إنتاج هذا العمل الوثائقي تزامنًا مع الذكرى الحادية عشرة لاستشهاد المستشار البطل الصائم النائب العام الراحل هشام بركات، وجدت نفسي أعود بذاكرتي سنوات إلى الوراء، لا كصحفية تبحث في الأرشيف، بل كإنسانة تحتفظ بقصة لم تُكتب في أوراق التحقيقات، ولم تُسجلها الكاميرات، لكنها كشفت لي جانبًا استثنائيًا من شخصية ذلك الرجل.

ولأن الأمم لا تحفظ تاريخها بالأحداث وحدها، بل تحفظه أيضًا بسير الرجال الذين صنعوا تلك الأحداث، شعرت أن من واجبي المهني والوطني أن أدون ما أعرفه عن المستشار الشهيد هشام بركات، القاضي، والنائب العام، والإنسان.

من حي السكاكيني إلى منصة العدالة

لم يولد المستشار هشام بركات وفي يده سلطة، ولم يبدأ حياته داخل المكاتب الواسعة أو خلف الألقاب الكبيرة.

ولد في القاهرة، ونشأ بين شوارعها وأحيائها القديمة التي خرجت أجيالًا من أبناء الطبقة المصرية المكافحة، قبل أن يلتحق بكلية الحقوق ويبدأ رحلة طويلة مع القانون ستستمر لعقود.

كان الطريق الذي اختاره صعبًا

فالعمل القضائي لا يصنع نجومية، ولا يمنح صاحبه شهرة سريعة، لكنه يمنحه شيئًا أكثر قيمة، احترام وتقدير التاريخ.

ومنذ التحاقه بالنيابة العامة، تنقل بين مواقع العمل المختلفة، متدرجًا في المناصب والمسؤوليات، حتى أصبح واحدًا من أبرز رجال القضاء المصري المعروفين بالكفاءة والانضباط والدقة المهنية.

وخلال تلك السنوات، لم يكن اسمه متداولًا في وسائل الإعلام كما أصبح لاحقًا، لكنه كان يحظى باحترام واسع داخل المؤسسة القضائية، حيث عُرف بتمسكه بالقانون وابتعاده عن الأضواء، وهي صفات ستلازمه حتى آخر يوم في حياته.

في قلب مرحلة استثنائية

جاءت السنوات التي أعقبت أحداث عام 2013 لتضع الدولة المصرية أمام تحديات غير مسبوقة.

كانت البلاد تواجه موجة عنف وإرهاب امتدت إلى مؤسساتها ورموزها وشوارعها.

وفي تلك الأجواء، تولى المستشار هشام بركات منصب النائب العام، ليصبح في مواجهة واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا وخطورة في تاريخ النيابة العامة.

لم يكن المنصب بالنسبة إليه مجرد موقع إداري أو لقب رسمي.

بل كان مسؤولية ثقيلة تتعلق بحماية حق المجتمع، وتطبيق القانون، وتحقيق العدالة في وقت كانت فيه البلاد تخوض معركة مفتوحة ضد الإرهاب.

وخلال فترة توليه المنصب، باشر ملفات وقضايا شديدة الحساسية، وأشرف على تحقيقات ارتبطت بأحداث هزت الرأي العام، كما ساهم في تطوير منظومة العمل داخل النيابة العامة، ودعم خطوات التحول الرقمي وتحديث قواعد البيانات، إيمانًا منه بأن العدالة الحديثة لا تنفصل عن التطوير المؤسسي.

كما شهدت تلك المرحلة جهودًا قانونية واسعة لملاحقة العناصر والكيانات الإرهابية، وتجفيف منابع دعمها، في إطار دولة كانت تسعى لاستعادة الأمن والاستقرار وحماية مؤسساتها.

رجل لم تغره السلطة

لكن المناصب الكبرى لا تكشف دائمًا حقيقة أصحابها، الحقيقة تظهر في التفاصيل الصغيرة، في طريقة التعامل مع الآخرين، في الكلمات التي لا يسمعها الإعلام، وفي الأثر الذي يتركه الإنسان في نفوس كل من يعملون معه.

ولأنني كنت أسمع كثيرًا عن المستشار هشام بركات من زوجي، الذي عمل آنذاك وكيلًا للنيابة في مكتبه، قررت ذات يوم أن أسأله سؤالًا مباشرًا: كيف كان المستشار هشام بركات؟

توقعت أن يحدثني عن خبرته القانونية. أو عن قوته في اتخاذ القرار، أو عن الملفات الكبرى التي كان يديرها.

لكن أول ما نطق مع من إجابة جاءت مختلفة تمامًا.

قال لي دون تردد: «كان أبًا لنا جميعًا».

توقفت عند هذه الجملة طويلًا. فهي ليست وصفًا وظيفيًا، بل شهادة إنسانية.

ثم بدأ يسرد لي ما عاشه بنفسه.

حدثني عن مسؤول كبير لم تصنع بينه وبين العاملين معه حواجز المنصب.

وعن مكتب كان بابه مفتوحًا للجميع.

وعن رجل كان يستمع قبل أن يتكلم.

ويحتوي قبل أن يحاسب.

أما حين يتعلق الأمر بالعدالة، فقد كان الأمر مختلفًا.

كان حاسمًا، صارمًا، قويا جدا، لا يعرف المجاملة في تطبيق القانون، وكانت النزاهة بالنسبة إليه أسلوب حياة.

ولهذا جمع بين الاحترام المهني والمحبة الإنسانية في آن واحد، وهي معادلة نادرة لا يحققها إلا القليل.

فقد علمت أن المستشار هشام بركات لم يكن مجرد منصب، بل كان حضورًا إنسانيًا يترك أثره في كل من تعامل معه.

صباح لم يكن عاديًا

ثم جاء صباح التاسع والعشرين من يونيو عام 2015.

صباح بدا عاديًا في بدايته.

لكنه تحول إلى واحد من أكثر الأيام حزنًا في ذاكرة المصريين.

استهدف الإرهاب الغشيم موكب النائب العام في عملية غادرة، ليرحل المستشار هشام بركات متأثرًا بإصاباته، ويسقط شهيدًا صائما وهو يؤدي واجبه في وقت كانت الدولة تواجه فيه حربًا شرسة ضد التطرف والعنف.

لم يكن اغتياله استهدافًا لشخص واحد.

بل كان استهدافًا لفكرة الدولة نفسها.

ولهيبة القانون.

ولمنظومة العدالة.

لكن الرسالة التي أراد الإرهاب إرسالها انتهت إلى نتيجة معاكسة وهي ببساطة..

بقيت الدولة.

وبقي القانون.

وبقي اسم هشام بركات حاضرًا في الذاكرة الوطنية.

لأن الرجال لا يرحلون تمامًا

تمر السنوات. وتتعاقب الأجيال. وتتغير الوجوه والمناصب.

لكن هناك رجالًا يرفض التاريخ أن يغلق صفحاتهم.

رجال يظلون حاضرين لأن أثرهم تجاوز حدود الوظيفة والمنصب.

واليوم، بينما يستعد المشاهدون لمتابعة الفيلم الوثائقي «هشام بركات.. حكاية المستشار الشهيد»، أجد أن أهم ما يجب أن تعرفه الأجيال الجديدة عن هذا الرجل ليس فقط كيف عاش نائبًا عامًا لجمهورية مصر العربية بل كيف عاش إنسانًا.

فقد عرفه الوطن قاضيًا، وعرفته مؤسسات الدولة مسؤولًا كبيرًا، وعرفه زملاؤه أبًا وأخًا ومعلمًا.

أما أنا، فعرفته من خلال مواقف سمعتها جعلتني أدرك أن بعض الرجال يتركون في القلوب أثرًا أكبر بكثير من أي منصب.

ولهذا، بعد كل هذه السنوات، لا يزال اسم المستشار هشام بركات حاضرًا.

ليس لأن التاريخ كتبه في سجلاته فقط.

بل لأن الذين عرفوه كتبوه في ذاكرتهم أيضًا.

اقرأ أيضاً
«هشام بركات.. حكاية المستشار الشهيد».. فيلم يكشف تفاصيل اغتيال النائب العام الراحل عبر الوثائقية

حكاية بطل.. فيلم «بويكا» يحكي بطولة الرائد عمرو وهيب عطية في مواجهة التكفيريين

«مخلص فخور بالشهادة».. المتحدث العسكري ينشر «الصياد» للرقيب محمد رمضان ضمن «حكاية بطل»

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق