من العقر إلى الإيواء.. الكلاب الضالة خطر يتحرك في الشوارع - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من العقر إلى الإيواء.. الكلاب الضالة خطر يتحرك في الشوارع - تواصل نيوز, اليوم السبت 13 يونيو 2026 09:51 مساءً

مليون ونصف حالة عقر سنويًا و1.2 مليار جنيه فاتورة علاج حالات عقر المواطنيين من الكلاب والقطط

وكيل نقابة الأطباء البيطريين: القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية أكثر المحافظات تسجيلًا لحالات العقر

تحصين 121 ألف كلب ضد مرض السعار خلال 2025.. و18 ألفًا في أول 3 أشهر من 2026.. وتعقيم 9 آلاف حتى الآن

 

 

 

لم تعد أصوات النباح المتصاعدة في ساعات الليل المتأخرة، أو مشاهد تجمعات الكلاب المنتشرة في بعض الشوارع والميادين، مجرد تفاصيل يومية عابرة في المشهد الحضري المصري، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان لأزمة مركبة تتجاوز حدود الظاهرة الحيوانية إلى مساحة أوسع تمس الصحة العامة والأمن المجتمعي وإدارة المجال العام، فالقضية التي بدأت كشكوى متفرقة من سكان أحياء وقرى ومدن جديدة، تطورت تدريجيًا إلى ملف رأي عام واسع، تتداخل فيه الاعتبارات العلمية مع الضغوط الاجتماعية، وتتصادم فيه رؤيتان؛ إحداهما تطالب بالأمان الفوري داخل الشارع، وأخرى تتمسك بحق الحيوان في الحياة ورفض أي حلول عنيفة أو عشوائية.

في أحياء سكنية متعددة، تتكرر شكاوى المواطنين من انتشار الكلاب بالقرب من المدارس والمستشفيات ومراكز الشباب والحدائق العامة، بينما تتداول مواقع التواصل الاجتماعي بشكل شبه يومي مقاطع مصورة لحوادث مطاردة أو عقر، بعضها حديث وبعضها قديم يُعاد نشره خارج سياقه، إلا أن تأثيره في تشكيل حالة من القلق العام يظل ثابتًا، وفي المقابل، ترتفع أصوات رافضة لأي تدخلات تُصنف باعتبارها اعتداءً على الحيوانات أو عودة لأساليب الإبادة والتسميم التي ارتبطت تاريخيًا بجدل واسع في المجتمع المصري.

هذا الاشتباك لم يعد محصورًا داخل السوشيال ميديا أو نقاشات منظمات المجتمع المدني، بل امتد ليشمل البرلمان والحكومة والجهات البيطرية والنقابات المهنية، ليكشف عن انقسام حقيقي حول طبيعة الأزمة، وحجمها الفعلي، وأدوات التعامل معها، وبين فريق يرى أن الشارع المصري يواجه خطرًا متناميًا يتطلب تدخلًا حاسمًا وسريعًا، وفريق آخر يؤكد أن الأزمة يجري تضخيمها وأن الحلول العلمية تحتاج إلى وقت ودعم مجتمعي مستمر، يتسع هامش الجدل دون حسم نهائي.

وتشير تقديرات رسمية متداولة إلى وجود ما بين 10 و11 مليون كلب ضال، بينما تذهب تقديرات أخرى صادرة عن جهات تنفيذية إلى أن العدد قد يصل إلى نحو 14 مليونًا، ما يعكس تفاوتًا واضحًا في تقدير حجم المشكلة، وتزداد مهمة الحصر تعقيدًا بسبب الطبيعة المتحركة للكلاب الضالة، التي تنتقل باستمرار بين المناطق المختلفة، إلى جانب معدلات التكاثر المرتفعة التي تؤدي إلى تغير الأعداد خلال فترات زمنية قصيرة، كما أن عدم وجود نظام موحد لتبادل البيانات بين المحافظات يحد من القدرة على تكوين صورة شاملة ودقيقة عن حجم الظاهرة وتوزيعها الجغرافي، وهنا تتزايد الدعوات إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية تعتمد على مسوح ميدانية منتظمة واستخدام أدوات تكنولوجية حديثة في الرصد والمتابعة، بما يتيح توفير بيانات أكثر دقة حول أعداد الكلاب الضالة ومناطق انتشارها، لأن توافر معلومات دقيقة ومحدثة شرطًا أساسيًا لنجاح أي خطة تستهدف الحد من الظاهرة، سواء من خلال برامج التعقيم والتحصين أو التوسع في مراكز الإيواء.

 

فاتورة العقر.. مؤشر مباشر على حجم الاحتكاك اليومي

بعيدًا عن الجدل حول أعداد الكلاب، تبدو أرقام العقر والإصابات الناتجة عن الاحتكاك بالحيوانات أكثر وضوحًا في التعبير عن حجم التحدي القائم، فقد سجلت الجهات الصحية خلال السنوات الأخيرة أعدادًا كبيرة من حالات العقر والخدوش، تجاوزت في بعض الفترات حاجز المليون حالة سنويًا، وهو رقم يعكس اتساع نطاق التماس المباشر بين الإنسان والحيوان داخل البيئة الحضرية والريفية، ويعكس في الوقت نفسه حجم الضغط الواقع على المنظومة الصحية نتيجة هذا الاحتكاك المستمر.

وتشير التقديرات إلى أن حالات العقر ارتفعت لتصل إلى ما يقارب 1.5 مليون حالة خلال عام 2025، مقارنة بنحو 300 ألف حالة في عام 2016، بما يعكس زيادة تقارب خمسة أضعاف خلال أقل من عقد، وهو ما يؤكد الاتجاه التصاعدي في معدلات الاحتكاك اليومي بين الإنسان والحيوانات داخل المجال العام.

وتخصص الدولة موارد مالية كبيرة لتوفير الأمصال واللقاحات مجانًا للمواطنين ضمن استراتيجية تستهدف تقليل معدلات الوفيات والسيطرة على تداعيات المرض، غير أن الصورة الصحية لا تتوقف عند السعار فقط، إذ توجد أمراض وطفيليات وعدوى أخرى يمكن أن تنتقل عبر الحيوانات أو البيئة المحيطة بها، بما يجعل القضية أوسع من مجرد مواجهة مرض واحد، وكشف الدكتور أحمد البنداري، وكيل نقابة الأطباء البيطريين، أن تكلفة الخدمات الطبية التي تتحملها الدولة سنويًا لعلاج حالات العقر الناتجة عن هجمات الكلاب والقطط الضالة تُقدَّر بنحو 1.2 مليار جنيه، في رقم يعكس حجم العبء المتزايد على المنظومة الصحية، وما يرتبط به من استهلاك واسع للأمصال والتطعيمات وخدمات الرعاية والمتابعة الطبية داخل المستشفيات.

وأوضح البنداري أن هذه التكلفة لا تتعلق بجانب واحد فقط، بل تمتد عبر سلسلة متكاملة تبدأ فور وصول المصاب إلى المستشفى، من خلال تقديم الأمصال والتطعيمات بشكل عاجل، ثم متابعة الحالة طبيًا، وصولًا إلى الأدوية والرعاية اللازمة لبعض الحالات، فضلًا عن تكاليف تخزين الأمصال داخل المنشآت الصحية لضمان توافرها بشكل دائم وجاهزيتها للاستخدام في أي وقت، وهو ما يجعل بند العلاج مرتبطًا بعبء تشغيلي مستمر وليس حالات منفصلة.

وأشار إلى أن الجزء الأكبر من هذه الفاتورة يرتبط بالأمصال واللقاحات المضادة لمرض السعار، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة أخطر تداعيات العقر، وهو ما يشكل أحد أهم بنود الإنفاق داخل المنظومة الصحية المرتبطة بهذا الملف، في ظل الأعداد الكبيرة من الحالات التي يتم التعامل معها سنويًا، لافتاً إلى أن حالات العقر نفسها تختلف في درجة خطورتها، حيث تنقسم إلى نوعين رئيسيين؛ الأول يشمل الإصابات السطحية أو المتفرقة في الجسم، بينما النوع الثاني يتضمن الإصابات المباشرة في الوجه أو المناطق القريبة من الرأس، وهو الأكثر خطورة بسبب سرعة تطور الحالة واحتمالية وصول الفيروس إلى الجهاز العصبي المركزي، ما يستدعي تدخلًا طبيًا فوريًا باستخدام محفزات مناعية وأدوية مساعدة للحد من المضاعفات.

ولفت إلى أن محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية تُعد من أكثر المحافظات تسجيلًا لحالات العقر، في ظل الكثافة السكانية العالية واتساع نطاق الاحتكاك داخل المجال العام، وهو ما يضاعف من حجم الضغط الواقع على المستشفيات ووحدات تقديم الخدمة الطبية.

 

تحرك الحكومة والبرلمان.. استراتيجية بين الإدارة والتوازن

وتشهد أزمة انتشار الكلاب الضالة في الشوارع المصرية تحركات حكومية متصاعدة ضمن استراتيجية متعددة المحاور تجمع بين البعد الصحي والبيئي والإنساني، في محاولة للحد من تداعيات الظاهرة على المواطنين مع الالتزام بمعايير التعامل الإنساني مع الحيوانات، وأكدت الحكومة أن الملف أصبح مطروحًا بانتظام داخل اجتماعات مجلس الوزراء، حيث يتم استعراض الموقف التنفيذي لخطة الدولة للتعامل مع الحيوانات الضالة والمتروكة، مع التأكيد على تبني نهج متوازن يعتمد على التطعيم والتعقيم والإيواء، ورفض أي ممارسات عشوائية في المواجهة، حيث سبق وشدد الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء على متابعة تنفيذ الاستراتيجية الخاصة بالحد من انتشار الكلاب الضالة، باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بالصحة العامة وسلامة المواطنين، مع توجيه الجهات المعنية بتكثيف التنسيق بين الوزارات المختلفة لضمان تنفيذ الخطة على أرض الواقع.

ومن جانبها، أكدت وزارة الصحة والسكان أن ملف الكلاب الضالة يمثل أحد ملفات الصحة العامة المهمة، في ظل تسجيل حالات عقر متكررة سنويًا وما يترتب عليها من ضغط على المستشفيات نتيجة الحاجة المستمرة لتوفير الأمصال والعلاج الوقائي، خاصة لمكافحة مرض السعار، مشيرة إلى استمرار توفير العلاج بعد التعرض للعقر مجانًا للمواطنين ضمن منظومة تستهدف تقليل معدلات الوفيات والسيطرة على المرض.

كما أوضحت وزارة التنمية المحلية أنها تعمل على التنسيق مع المحافظات لرصد المناطق الأكثر تأثرًا بانتشار الكلاب الضالة، ودعم إنشاء وتطوير مراكز الإيواء (الشلاتر)، إلى جانب بحث آليات تنظيم التعامل داخل المناطق السكنية، وتحسين إدارة المخلفات باعتبارها أحد العوامل غير المباشرة التي تسهم في جذب الكلاب وتكاثرها داخل الكتل السكنية.

وفي الإطار التنفيذي، أوضحت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي أن الاستراتيجية الوطنية تعتمد على التوسع في برامج تحصين الكلاب ضد مرض السعار، إلى جانب تنفيذ حملات تعقيم تستهدف الحد التدريجي من معدلات التكاثر، وإنشاء مراكز إيواء بالتعاون مع الجهات البيطرية ومنظمات المجتمع المدني، بما يحقق إدارة علمية للظاهرة.

وعلى الصعيد البرلماني، تصاعدت المطالبات داخل مجلس النواب بوضع حلول أكثر حسمًا، حيث أشارت النائبة إيرين سعيد إلى تزايد حالات العقر وما تمثله من عبء صحي متزايد، مؤكدة أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على مناطق محددة بل امتدت إلى مختلف المحافظات، كما تقدمت النائبة نيفين الكاتب بطلب إحاطة عاجل، دعت فيه إلى وضع آليات واضحة لتنظيم التعامل مع الكلاب الضالة بما يحقق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على التوازن البيئي.

وفي سياق متصل، أعلنت بعض المحافظات، وعلى رأسها الجيزة، التوسع في إنشاء مراكز إيواء جديدة ضمن خطة تعتمد على التعقيم والتطعيم ثم إعادة الإطلاق في بيئتها، باعتبارها وسيلة للحد التدريجي من الأعداد، مع التأكيد على أن هذه المراكز تمثل جزءًا من منظومة إدارة الظاهرة وليس وسيلة احتجاز دائم. ورغم تعدد هذه الجهود، لا يزال الملف يواجه تحديات تتعلق بآليات التنفيذ والموارد البشرية والتمويل، بما يجعل فاعلية الاستراتيجية مرهونة بقدرتها على التوسع والتطبيق على نطاق أوسع في مختلف المحافظات.

وفي هذا السياق أكد الدكتور حامد موسى الأقنص، رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية، أن الدولة تواصل تنفيذ خطة متكاملة لمواجهة ظاهرة الكلاب الضالة والحد من مخاطر مرض السعار، من خلال التوسع في برامج التحصين والتعقيم بالتنسيق مع الجهات المعنية ومؤسسات المجتمع المدني، موضحاً خلال مشاركته في اجتماع لجنة الزراعة بمجلس النواب، أن الهيئة كثفت جهودها خلال الفترة الماضية، حيث تم تحصين نحو 121 ألف كلب ضد مرض السعار خلال عام 2025، إلى جانب تحصين 18 ألفًا و638 كلبًا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026.

وأشار إلى أن برامج التعقيم شهدت أيضًا توسعًا ملحوظًا، إذ نفذت الهيئة عمليات تعقيم لـ8 آلاف و311 كلبًا خلال عام 2025، بينما جرى تعقيم ألف و729 كلبًا خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026، عبر المستشفيات والوحدات البيطرية المنتشرة على مستوى الجمهورية، كما كشف عن إبرام اتفاق تعاون مع إحدى شركات القطاع الخاص لتوفير 5 آلاف جرعة مجانية من لقاح السعار، بما يسهم في تعزيز حملات التحصين ورفع معدلات الوقاية.

 

مقترح المستعمرات الصحراوية.. حل بديل يفتح جدلًا جديدًا

وسط هذا الجدل، برز مقترح مثير قدّمه الدكتور مصطفى الجعفري، الأستاذ بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة، يقوم على فكرة إنشاء مستعمرات مخصصة للكلاب الضالة في المناطق الصحراوية، عبر نقل الحيوانات إلى بيئات بعيدة عن التجمعات السكنية، وتوفير المياه والغذاء والمظلات والرعاية البيطرية، على مسافات لا تقل عن خمسين كيلومترًا من الكتل السكنية، حيث يرى الجعفري أن هذا النموذج قد يكون أكثر واقعية اقتصاديًا مقارنة بتوسيع الشلاتر داخل المدن، مستندًا إلى وجود تجارب مشابهة في دول أخرى مثل الأردن، وإلى أن المساحات الصحراوية في مصر تسمح بتطبيق الفكرة على نطاق واسع.

لكن هذا الطرح يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الاستدامة والتكلفة وإمكانية الإدارة طويلة المدى، فضلًا عن الجدل المرتبط بفكرة نقل الأزمة بدلًا من معالجتها من جذورها.

من جانبها أكدت أمينة أباظة، رئيسة أول جمعية مصرية للرفق بالحيوان، أن أزمة الكلاب الضالة تمثل تحديًا متزايدًا يستدعي تحركًا جادًا لإيجاد حلول تحقق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على حقوق الحيوانات، موضحة أنها تدافع عن حقوق الحيوان وتشارك في رعايته وعلاجه، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن المواطنين هم الأكثر تأثرًا بانتشار الكلاب الضالة في الشوارع.

وأشارت إلى أن الأزمة تتطلب تعاونًا بين الجهات المعنية للوصول إلى حلول فعالة ومستدامة تحد من تفاقم المشكلة، مؤكدة أن بعض المقترحات المطروحة تحتاج إلى وقت طويل قبل أن تحقق نتائج ملموسة، بينما تظل المخاوف المتعلقة بسلامة المواطنين قائمة، كما لفتت إلى أن مراكز إيواء الحيوانات قد تسهم في تقليل أعداد الكلاب الموجودة بالشوارع، إلا أن نجاح هذه الفكرة يعتمد على توافر الإمكانات اللازمة والإدارة المستمرة، واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على رفضها تصدير الكلاب إلى الخارج، داعية إلى تبني حلول إنسانية داخل مصر تضمن حماية المواطنين والحفاظ على الحيوانات في الوقت نفسه.  

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق