نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خلف شاشة الحرب… كيف تصنع الخوارزميات الخوف؟ - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 15 يونيو 2026 08:37 صباحاً
صادف أن كنتُ في مناوبة عملي فجر الثاني من آذار/مارس، حين بدأت تتوارد الأنباء العاجلة من مراسلينا: "صافرات الإنذار تدوي في شمال إسرائيل عقب رشقات صاروخية". دقائق قليلة كانت تفصلنا عن الحقيقة المرّة؛ هل انطلقت هذه الصواريخ من لبنان؟ وهل نحن الآن على أعتاب واقع جديد ينسف كل ما قبله.. واقع الحرب؟
كانت تلك الدقائق تمرّ كأنها ساعات، قبل أن ينجلي الغبار عن تبنّي "حزب الله" للعملية، وما تلا ذلك من تهديدات إسرائيلية فورية بقصف لبنان. في تلك اللحظة، انقسمتُ إلى شخصيتين: الصحافية التي تسابق الزمن لإرسال الإشعارات العاجلة، حريصة على نقل الخبر بدقة وموضوعية دون تأخير، وفاطمة الإنسانة التي "عتلت همّ" عائلتها، وسارعت لتحذير إخوتها بضرورة حزم أمتعتهم تحسباً لما هو آت.
إنه لشعور قسريّ ومؤلم أن ترسل إشعاراً في الثانية بعد منتصف الليل لتوقظ آلاف المتابعين وتقول لهم ضمناً: "استيقظوا.. لقد بدأت الحرب، انتبهوا لأنفسكم". لا أبالغ إن قلت إنها كانت من أقسى لحظات حياتي المهنية والإنسانية.
ومع توالي فصول الحرب، برزت تحديات أخرى لا تقل مرارة. فالصحافي الذي يضخ الأخبار للناس، يتحول فور انتهاء دوامه إلى متلقٍّ يقلب هاتفه بوجل. وبينما كانت مشاهد القصف حقيقية وقاسية، كان "طوفان" المقاطع الزائفة والمعلومات المضللة التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي أشد قسوة؛ فهي لا تنقل الخبر، بل تزرع الرعب الممنهج في القلوب وتتلاعب بمشاعر التائهين بين الحقيقة والسراب.
تعبيرية (ذكاء اصطناعي)
خلف "شاشة" الحرب... كيف يواجه اللبنانيون فخاخ الخوارزميات؟
لا يختلف الصحافي عن غيره من رواد الفضاء الرقمي الذين يقضون جلّ وقتهم في تصفح منصات التواصل الاجتماعي؛ يصدقون محتوىً، ويشاركون آخر، ويشككون في غيره. وفي هذا السياق، استطلعت "النهار" آراء عينة من اللبنانيين حول تجربتهم في متابعة أخبار الحرب في لبنان عبر هذه المنصات.
تفضل عايدة، التي تعمل في مجال التأمين، العودة إلى الأصول في متابعة الأخبار؛ فهي تعتمد على الصحف أكثر من منصات التواصل الاجتماعي التي فقدت الثقة بها تماماً خلال الحرب. ولأنها حائزة على شهادة في هندسة الكمبيوتر، تمتلك عايدة نظرة تقنية تمكنها من فهم "كواليس" العالم الرقمي، حيث تقول: "أعرف جيداً أسرار الخوارزميات وكيف يتم التلاعب بها لتوجيه الرأي العام، ومن لا يملك خلفية تقنية عميقة قد يقع بسهولة ضحية للمقاطع المصورة الزائفة التي تغزو هواتفنا".
أما عن مصادرها الخاصة، فتبتعد عايدة عن ضجيج القنوات المحلية ومنصات "الترند"، موضحةً: "حتى المجموعات الإخبارية، لا أتابع سوى مجموعة واحدة خاصة بأخبار، لأن محتواها دقيق، مختصر، وموثوق. أما الأخبار العاجلة على شاشات التلفزة فلا أثق بها، تخيلي إلى أي درجة!". تصل حدود الشك لدى عايدة حتى إلى كبريات الصحف العالمية، فهي رغم اطلاعها على عناوين مثل "نيويورك تايمز"، إلا أنها تنظر إليها بحذر بوصفها "صحفاً تمثل سياسات دول".
بدورها، تقول دينا، التي تعمل في مجال الاتصالات، إنها خلال الحرب تجد نفسها أحياناً تتأثر بحجم التفاعل مع بعض الفيديوات والأخبار المنتشرة على وسائل التواصل، إذ يوحي عدد المشاهدات والتعليقات بأن ما يُنشر حقيقي أو موثوق. لكنها تشير إلى أنها أصبحت أكثر حذراً مع الوقت، بعدما لاحظت كيف يمكن لمحتوى "فايرل" أن يثير الخوف والذعر حتى قبل التأكد من صحته.
وتضيف أنها تتابع بعض الصفحات التي تُقدَّم على أنها قريبة من مصادر أمنية للبقاء على اطلاع، لكنها لا تبني قراراتها أو مواقفها على ما يُنشر فقط، لأن المعلومات خلال الحروب تتغيّر بسرعة، ولأن بعض المحتوى قد يكون مضللاً أو مبالغاً فيه رغم الانتشار الكبير الذي يحققه.
وانطلاقاً من كلام دينا عن أن بعض المحتوى قد يكون مضللاً، يبرز هنا سؤال عن خوارزميات المنصات وسواء كانت مصممة فعلاً لتحري الدقة، أم أنها تمنح "تأشيرة دخول" سريعة للمحتوى الصادم لأنه يضمن بقاء المستخدم لفترة أطول؟
لماذا ينتشر المحتوى الصادم أسرع؟
يرى الخبير في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي ومؤسس Axis Visuals U.S أمين أبو يحيى في حديثه لـ "النهار" أن الخوارزميات ليست كاذبة بطبيعتها، لكنها مصمّمة أساساً لتعظيم التفاعل والوقت الذي يمضيه المستخدم على المنصة، وليس لتقييم الحقيقة كما يفعل الصحفي أو المدقق.
وبحسب أبو يحيى، فإنه، تقنياً، أنظمة التوصية تعتمد على مؤشرات مثل:
ويضيف بأن "المحتوى الذي يثير الخوف أو الغضب أو الصدمة يحقق هذه المؤشرات بسرعة أعلى، لأن الدماغ البشري يتفاعل مع التهديدات والانفعالات بشكل فوري. لذلك نرى أن المحتوى الصادم يحصل عملياً على "دفعة خوارزمية" أكبر، حتى لو لم يكن دقيقاً بالكامل. المشكلة هنا ليست أن المنصة "تريد التضليل"، بل إن نموذجها الاقتصادي يكافئ الانتباه أكثر مما يكافئ الدقة.
خماسية التحقق من الفيديو
في زمن الحروب… التضليل أسرع من التصحيح
شهدنا أثناء الحرب في لبنان إعادة انتشار فيديوات قديمة من سوريا أو غزة تُعاد صياغتها ونشرها كأنها حدثت الآن في بيروت أو الجنوب. والسؤال هنا، لماذا تسمح الخوارزمية لهذا "التدليس" بالانتشار كالنار في الهشيم ولا تفرمله فوراً؟
يؤكد أبو يحيى أن "الخوارزمية لا تفهم السياق السياسي أو التاريخي كما يفهمه الإنسان. هي ترى إشارات رقمية فقط:
هل الناس يشاهدون الفيديو حتى النهاية؟ هل يشاركونه بسرعة؟ هل يثير تعليقات كثيفة؟
إذا كان الجواب نعم، يبدأ النظام بتوسيع انتشاره تلقائياً قبل أن تمر أي عملية تحقق بشرية.
في الحروب تحديداً، المحتوى العاطفي ينتشر بسرعة هائلة لأن الجمهور يكون بحالة توتر وخوف وترقّب دائم. وعندما يُعاد نشر فيديو قديم مع وصف جديد، فإن الخوارزمية غالباً لا تمتلك قدرة فورية على التحقق من تاريخ الفيديو الأصلي أو مكانه الحقيقي، خاصة إذا تم قصّه، تغيير جودته، إزالة العلامات المائية، وإعادة رفعه بصياغة مختلفة.
لهذا السبب، سرعة التضليل غالباً تتفوّق على سرعة التصحيح".
ويضيف أنه "في أوقات الحروب، قد يتحول فيديو إلى "فايرال" خلال دقائق فقط، خصوصاً على "تكتوك" و"إكس" و"إنستغرام ريلز" لأن أنظمة التوصية اليوم تعمل بشكل لحظي تقريباً. وإذا حقق المحتوى: معدل مشاركة مرتفع وتعليقات كثيفة ونسبة مشاهدة عالية خلال الدقائق الأولى، فإن الخوارزمية تعتبره "محتوى ناجحاً" وتبدأ بدفعه إلى جمهور أوسع بشكل متسارع".
ويشير إلى أن الخطير أن النفي غالباً لا ينتشر بنفس القوة، لأن التصحيح عادة يكون: أبطأ وأقل إثارة وأكثر تعقيداً، بينما المحتوى المضلل يكون بسيطاً وعاطفياً وصادماً. لذلك حتى بعد كشف الحقيقة، قد يستمر الفيديو الأصلي بالحصول على مشاهدات وتفاعل لساعات أو أيام بسبب الزخم الذي حصل عليه مبكراً.
تعبيرية (ذكاء اصطناعي)
هل تستطيع المنصات كبح التضليل… أم أن خوارزمياتها تغذّيه؟
وانطلاقاً من ثبوت وجود تضليل ينتشر كالنار في الهشيم خصوصاً في الحرب، سألنا أبو يحيى إن كان يمكن فعلياً كبح انتشار المعلومات المضللة في أوقات الحروب، أم أن بنية هذه المنصات نفسها تقوم أساساً على تعظيم الانتشار بغض النظر عن الدقة؟
ويرد بأنه "تقنياً يمكن الحد من التضليل، لكن ليس القضاء عليه بالكامل، لأن بنية المنصات الحديثة قائمة على السرعة والانتشار الفوري. أي منصة لديها ثلاثة تحديات أساسية: حجم المحتوى الهائل المنشور كل ثانية، صعوبة فهم السياق السياسي والحربي آلياً، والتعارض بين حرية الانتشار والرقابة".
ومع أنه يقول إن الذكاء الاصطناعي يستطيع كشف بعض الأنماط كالفيديوات المعاد تدويرها والصور المعدلة والحسابات المنسقة وحملات البوتات إلا أن حتى أكثر الأنظمة تطوراً لا تستطيع دائماً التمييز فوراً بين شهادة حقيقية من الميدان ومحتوى مضلل مصمم بعناية.
ويختم بأن "المشكلة الأعمق أن اقتصاد المنصات الرقمية مبني على المنافسة على الانتباه. وكلما كان المحتوى أكثر إثارة، زادت فرص انتشاره. لذلك المعركة اليوم ليست تقنية فقط، بل أيضاً إعلامية وثقافية وتتعلق بوعي المستخدم نفسه".
وفيما يشرح الخبراء تقنياً كيف تدفع الخوارزميات بالمحتوى الصادم إلى الواجهة، يعيش الصحافيون يومياً الوجه الإنساني لهذه المعادلة القاسية بين سرعة النشر ومسؤولية التحقق.
تعبيرية (ذكاء اصطناعي)
صحافية في مواجهة "التريند": الحقيقة لا تُختزل بعدد المشاهدات
لا تنفي الصحافية المستقلة ميساء عطوي في حديثها لـ "النهار" الشعور ببعض الإحباط عندما يُقارن جهد تحقيق موثّق ومبني على مصادر دقيقة بمحتوى مفبرك ينتشر بشكل واسع خلال وقت قصير، إلا أنها تؤكد تمسّكها بأن معيار الجودة الصحفية لا يمكن أن يُختزل بعدد المشاهدات، لأن دور الصحافة الأساسي يبقى في التحقق وتقديم الحقيقة، حتى لو كانت أقل انتشاراً في لحظتها.
ترفض عطوي وصف الخوارزمية بأنها عدو للصحافي بل "جزءًا من التحول البنيوي في الإعلام الرقمي الذي غيّر قواعد إنتاج الخبر وتداوله. وخاصة أن الانتشار بات مرتبطاً بمنطق تقني يقوم على قياس التفاعل كعدد المشاهدات، التعليقات، والمشاركات، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين ما هو دقيق وما هو واسع الانتشار. لذلك أتعامل مع هذا الواقع على أساس أنه تحدٍ مهني وليس صراعاً أي بمعنى آخر أنني لا أغيّر جوهر عملي الصحفي، لكن أعيد التفكير في طريقة تقديمه".
وتشدّد على أنه في التغطيات الحساسة كالحرب في لبنان تقع على عاتق الصحافي مسؤولية مضاعفة، فمثلاً عن احتمال لجوئها إلى عناوين مستفزة أو clickbait تقول: "لا أتعامل مع العنوان بوصفه عنصراً منفصلاً عن المحتوى أو وسيلة للالتفاف على الخوارزميات، بقدر ما أراه جزءًا أساسياً من البناء الصحفي نفسه… وهذا سؤال حساس لأنه يلامس جوهر التوازن بين الجاذبية والمهنية، خصوصاً في ظل البيئة الرقمية التي تفرض اليوم إيقاعاً سريعاً وتنافساً عالياً على الانتباه". وقد يدفعها هذا الواقع أحياناً إلى التفكير بصياغات أكثر جاذبياً، لكن ذلك لا يعني الانزلاق نحو clickbait أو عناوين مضللة.
ولدى سؤالها عن أكثر أنواع الأخبار أو الفيديوات المضللة خلال تغطية الحرب في لبنان، سلطت عطوي الضوء على الفيديوات القديمة التي يعاد نشرها على أنها أحداث آنية، أو مشاهد من نزاعات أخرى ويتم نسبها خطأً إلى لبنان، إن كان من سوريا أو غزة أو حتى انفجار مرفأ بيروت إضافة إلى المقاطع المقتطعة التي تُعرض من دون سياق زمني أو مكاني واضح. وتسلّط الضوء أيضاً على "بنوك الأهداف الوهمية"، وهي "خرائط تفاعلية تُنشر على أنها معلومات استخباراتية دقيقة، تقسّم فيها مناطق لبنانية إلى مربعات ملونة توحي بوجود مراكز عسكرية أو مخازن أسلحة تحت أحياء سكنية بحيث تبيّن لاحقاً أن هذه المواد لا تتجاوز كونها تجميعاً غير دقيق لبيانات مفتوحة المصدر أو حتى محتوى دعائي يُستخدم للتأثير على الرأي العام وإثارة الذعر".
تختم عطوي أن هذه المنظومة الرقمية التي تمنح الأولوية للسرعة ولـ"التريند" المشتعل، قتلت أدوات التحقق الصحفي التقليدية وتعطي عنواناً للمرحلة: "في سطوة الخوارزميات انتقلنا من عصر الرقابة بالحجب إلى عصر الرقابة بالإغراق.
في الحروب، لا تكفي النجاة من القصف وحده؛ فثمة حرب أخرى تدور على الشاشات، حيث تتسابق الحقيقة والخوف داخل خوارزمية لا تعرف سوى ما يجذب الانتباه. وبين إصبع يضغط "مشاركة" وصحافي يحاول التحقق، قد تتحدد الرواية التي ستبقى في ذاكرة الناس.











0 تعليق