نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العراق بين الفصائل وواشنطن... من يفرض كلمته في حظر الرحلات الإيرانية؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 27 سبتمبر 2026 12:20 مساءً
تحوّل قرار وقف الرحلات الجوية الإيرانية في العراق من إجراء احترازي مرتبط بالعقوبات الأميركية إلى مواجهة سياسية تمس حدود القرار الحكومي نفسه. فالفصائل القريبة من طهران رفعت مستوى الضغط من الاعتراض والبيانات إلى التهديد بالاعتصام داخل المطارات، فيما تحاول حكومة علي الزيدي انتزاع استثناءات من واشنطن تتيح استئناف جزء من الحركة الجوية من دون تعريض المطارات والشركات العراقية لإجراءات عقابية.
وتكشف سرعة التصعيد أن القضية تجاوزت مسألة رحلات معلقة بين العراق وإيران. فالمطارات دخلت قلب التجاذب بين قوى ترى في الحظر استجابة للضغط الأميركي، وحكومة تخشى أن يؤدي تجاهل القيود المفروضة على شركات إيرانية إلى نقل العقوبات مباشرة إلى مؤسسات عراقية.
وبدأت الأزمة تأخذ منحى أكثر حدة بعدما دعت "كتائب حزب الله" إلى ما وصفته بـ"كسر الحصار" المفروض على إيران، وحثت العراقيين على دعم المنتجات الإيرانية والامتناع عن أي نشاط من شأنه تشديد القيود على طهران.
ورفع زعيم "حركة النجباء" أكرم الكعبي سقف المواجهة، ودعا إلى الاستعداد للاعتصام داخل المطارات العراقية في حال عدم معالجة ملف الرحلات واستئناف حركة الطيران مع إيران، معتبراً أن استمرار القيود يمثل امتداداً للهيمنة الأميركية على القرار العراقي. ووسّعت دعوته نطاق الأزمة من الاعتراض السياسي إلى احتمال استخدام المطارات نفسها أداة للضغط على الحكومة.
من يملك قرار الأجواء العراقية؟
جاءت القيود العراقية بعد العقوبات الأميركية على شركات الطيران الإيرانية، وما رافقها من مخاوف لدى الجهات المشغلة ومقدمي الخدمات من تداعيات استمرار التعامل مع الشركات المشمولة بها. وامتدت الأزمة إلى عدد من المطارات العراقية الرئيسية، فيما اعتذرت شركات للمناولة الأرضية عن خدمة طائرات إيرانية خشية تعرضها للعقوبات.
وتجد بغداد نفسها أمام معادلة تتجاوز قراراً يتعلق بالطيران. فالتراجع تحت ضغط الفصائل قد يضع المؤسسات العراقية أمام مخاطر مرتبطة بالعقوبات، فيما يمنح استمرار القيود القوى الرافضة لها سبباً إضافياً لتصعيد تحركاتها.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد علي التميمي لـ"النهار" إن "الإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية بشأن وقف استقبال الرحلات التابعة لشركات الطيران الإيرانية في المطارات العراقية تمثل خطوة ضرورية لحماية المصالح العراقية وتجنب تعرض المطارات والشركات والمؤسسات المرتبطة بها لعقوبات أميركية، والتعامل مع العقوبات الدولية يجب أن يكون وفق حسابات تتقدم فيها مصلحة العراق والعراقيين على أي اعتبارات أو ضغوط خارجية".
ويضيف أن "التحركات السياسية والفصائلية الرافضة للقرار ينبغي أن تدرك أن أي محاولة لفرض الأمر الواقع أو تعطيل عمل المطارات أو الضغط على المؤسسات الحكومية من أجل كسر الإجراءات المفروضة على شركات إيرانية قد تكون لها تداعيات أكبر على العراق، خصوصاً إذا أدت إلى تعرض مطارات أو شركات عراقية لإجراءات عقابية أو قيود مالية ومصرفية".
ويؤكد أن "العراق ليس معنياً بتحمل أعباء أزمات الآخرين، ولا يجوز أن تتحول الأراضي والمؤسسات العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تحدي العقوبات الدولية بما يعرض مصالح الدولة والمواطنين للخطر، وعلى جميع القوى السياسية والفصائل التعامل مع الملف من زاوية المصلحة العراقية أولاً، وعدم اتخاذ مواقف أو خطوات قد تدفع باتجاه توسيع دائرة العقوبات لتشمل جهات ومؤسسات عراقية".
رهان الحكومة الأخير؟
في المقابل، تسلك الحكومة مساراً يقوم على التفاوض المباشر مع واشنطن للحصول على استثناءات لبعض المطارات من الإجراءات المرتبطة بشركات الطيران الإيرانية. وأعلن مكتب رئيس الوزراء أن الحوار يستهدف تسهيل الرحلات المتعلقة بالعلاج والدراسة والزيارات الدينية ومصالح المدنيين.
ويمنح هذا المسار حكومة الزيدي فرصة للبحث عن مخرج يخفف القيود من دون تعريض المؤسسات العراقية لكلفة إضافية، وفي الوقت نفسه قد يسحب جزءاً من الذرائع التي تستند إليها الفصائل العراقية في تصعيدها.
وسط بغداد، فيما تتصاعد الضغوط على الحكومة على خلفية حظر الرحلات الإيرانية، 22 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ف ب)
مخاوف... وإجراءات أمنيّة
غير أن التهديد بالاعتصام نقل الأزمة إلى مستوى آخر، إذ باتت الحكومة مطالبة بالتعامل مع احتمال انتقال الضغط من المواقف السياسية إلى منشآت سيادية وحساسة.
وتقول مصادر أمنية عراقية لـ"النهار" إن "السلطات الأمنية بدأت، في ظل تصاعد التهديدات بتنظيم اعتصامات واحتجاجات داخل المطارات، باتخاذ إجراءات احترازية لتأمين المنشآت ومنع أي محاولة للتأثير في حركة الطيران أو تعطيل عمل المطارات".
وتشير المصادر إلى أن هذه الإجراءات "تضيف بعداً أمنياً إلى أزمة بدأت أساساً كإجراء تنظيمي مرتبط بالعقوبات الأميركية، قبل أن تتحول إلى ملف سياسي حساس يتقاطع فيه النفوذ الإيراني والضغوط الأميركية وحسابات الحكومة العراقية ومواقف الفصائل المسلحة والقوى السياسية المرتبطة بها".
ويقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية اللواء الركن أحمد الدليمي لـ"النهار" إن "التهديد بالاعتصام داخل المطارات أو تعطيل حركة الطيران تحت أي عنوان سياسي أمر مرفوض، فالمطارات منشآت سيادية وحساسة، ولا يمكن السماح لأي جهة، مهما كان حجمها أو نفوذها، بفرض إرادتها على مؤسسات الدولة أو تعطيل عملها".
ويضيف الدليمي أن "من يريد الدفاع عن إيران أو الاعتراض على العقوبات الأميركية فليستخدم الوسائل السياسية والديبلوماسية والقانونية، أما تحويل المطارات إلى ساحات مواجهة والضغط على الحكومة بالسلاح أو التهديد بالاعتصام فهو تصرف يضع العراق والعراقيين في مواجهة تداعيات خطيرة، وقد يفتح الباب أمام إجراءات عقابية تطال مؤسسات الدولة والاقتصاد والمواطنين".
ويشدد على أن "أي محاولة لاقتحام المطارات أو تعطيل عملها أو فرض واقع بالقوة يجب أن تواجه بحزم من مؤسسات الدولة، لأن حماية المنشآت السيادية ليست قضية سياسية قابلة للتفاوض، بل مسؤولية قانونية وأمنية".
وإذا بقيت الاستثناءات الأميركية بعيدة المنال، ستزداد صعوبة احتواء التصعيد مع بقاء الاعتصامات خياراً معلناً. وعندها من المرجح أن تنتقل أزمة الطيران من خلاف على تطبيق العقوبات الأميركية إلى سؤال داخلي أشد حساسية يتعلق بحدود نفوذ الفصائل وسلطة الحكومة على منشآتها السيادية.












0 تعليق