نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التحول الرقمي في مصر تحت الاختبار.. المواطن ينتقل من طوابير المصالح الحكومية إلى أعطال السيستم.. خدمات إلكترونية كثيرة ومشكلات متراكمة من التأمينات والصحة إلى التعليم والجامعات - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026 01:09 مساءً
التحول الرقمي في مصر لم يعد مجرد مشروع لتغيير شكل المعاملة الحكومية، بل أصبح محاولة لإعادة صياغة علاقة المواطن بمؤسسات الدولة، ونقلها من الورق والملفات والطوابير إلى الشاشة والبيانات والمنصات الإلكترونية.
وخلال السنوات الماضية قطعت الدولة شوطا كبيرا في هذا الطريق، وأصبحت خدمات كثيرة متاحة بضغطة زر، لكن الطريق نفسه كشف عن مشكلة أعمق؛ فبعض الخدمات خرجت من الشباك الحكومي لتقف عند شباك جديد اسمه "السيستم"، وبعض المعاملات بدأت رقمية ثم عادت في منتصف الطريق إلى ورقة أو توقيع أو زيارة لمقر الجهة، فيما ظلت أنظمة حكومية كثيرة تعمل في جزر منفصلة لا تتحدث إلى بعضها بالسرعة والكفاءة المطلوبة.
المشهد هنا لا ينتقص من حجم ما تحقق، لكنه يكشف أن بناء المنصة أسهل من بناء المنظومة، وأن إطلاق الخدمة ليس هو النهاية، بل بداية الاختبار الحقيقي، فالرقمنة لا تقاس بعدد التطبيقات والمواقع التي جرى تدشينها، وإنما بقدرتها على اختصار الطريق أمام المواطن، وربط المؤسسات ببعضها، وتبادل البيانات بأمان، وإنهاء المعاملة من بدايتها إلى نهايتها دون أن يضطر المواطن إلى حمل أوراقه من شاشة إلى شباك، أو الانتقال بين نظام وآخر بحثا عن خدمة يفترض أن تكون قد أصبحت في متناول يده.
ومن واقع متابعة ملفات مهمة مثل التأمينات، ومصر الرقمية، والشهر العقاري، والتعليم، والصحة، والتأمين الصحي الشامل، والجامعات، تبدو الصورة أكثر تعقيدا؛ دولة تمضي بقوة نحو المستقبل الرقمي، لكنها ما زالت تحمل إلى هذا المستقبل بعض مشكلات الماضي.
التأمينات.. السيستم يدخل اختبار التشغيل الفعلي
من أبرز النماذج التي كشفت عن تحديات الانتقال إلى المنظومات الرقمية ما شهدته الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مع بدء التشغيل الفعلي للمنظومة الجديدة، فالهيئة أعلنت أن المنظومة الجديدة بدأت التشغيل الفعلي في مارس 2026، بعد فترة تشغيل تجريبي وتدريب آلاف الموظفين، إلا أن الأيام الأولى كشفت عن مشكلة في سرعة الأداء، حيث أقرت الهيئة بحدوث بطء أدى إلى تكدس وازدحام في بعض المكاتب.
وأوضحت الهيئة أن المنظومة استقبلت أكثر من مليون طلب خدمة خلال الفترة محل المتابعة، بينما جرى إنجاز مئات الآلاف من الطلبات، مؤكدة في الوقت نفسه العمل على معالجة المشكلات الفنية ورفع سرعة أداء النظام.
المشكلة هنا لم تكن في غياب الخدمة الإلكترونية، وإنما في قدرة المنظومة على استيعاب الحجم الفعلي للطلبات عندما انتقلت من مرحلة الاختبار إلى التعامل مع أعداد كبيرة من المواطنين، واللافت أن الهيئة أوضحت أن جزءًا من التحدي يعود إلى الانتقال من أنظمة معلومات قديمة ومتعددة إلى منظومة موحدة وقاعدة بيانات مركزية، وهو ما يوضح أن التحول الرقمي لا يبدأ من شاشة المواطن، وإنما من البنية الداخلية للمؤسسة.

من النظام القديم إلى قاعدة البيانات الموحدة
عملية الرقمنة لا تعني فقط إنشاء تطبيق جديد أو موقع إلكتروني، وإنما تتطلب التعامل مع سنوات طويلة من البيانات المتراكمة، وفي حالة التأمينات، كانت هناك أنظمة معلومات قديمة تعود إلى عقود سابقة، وهو ما جعل عملية نقل البيانات وربطها وتوحيدها تحديًا قائمًا بذاته.
وتظهر هنا واحدة من أبرز مشكلات التحول الرقمي: ماذا يحدث عندما تدخل البيانات القديمة إلى النظام الجديد؟ فاختلاف البيانات بين أكثر من قاعدة، نقص بعض المعلومات، وجود سجلات قديمة، أو عدم تطابق بيانات المواطن بين الجهات المختلفة، كلها مشكلات قد لا يراها المستخدم عندما يدخل إلى الموقع، لكنه يشعر بنتائجها عندما تتوقف معاملته أو يطلب منه تصحيح بيانات سبق تسجيلها لدى جهة حكومية أخرى.
«مصر الرقمية».. الخدمة تبدأ إلكترونيًا ولا تنتهي دائمًا كذلك
منصة مصر الرقمية تمثل أحد أبرز مشروعات تقديم الخدمات الحكومية عبر الإنترنت، إذ أصبح بإمكان المواطن إنجاز عدد كبير من الإجراءات دون التوجه إلى مقر الجهة الحكومية، لكن تجربة الخدمة الرقمية لا تتوقف عند الدخول إلى المنصة واختيار الإجراء، فالمواطن يمر بسلسلة من الخطوات تبدأ بالتسجيل واختيار الخدمة، ثم إدخال البيانات ورفع المستندات وسداد الرسوم، قبل انتظار تنفيذ الطلب والحصول على المستند أو الخدمة، وأي خلل في إحدى هذه المراحل يمكن أن يوقف العملية بالكامل.
وهنا تظهر مشكلة مختلفة عن تعطل الموقع نفسه؛ وهي عدم ترابط مراحل الخدمة إلكترونيًا بالشكل الكافي، بحيث قد يتم الدفع بينما لا يتم تحديث حالة الطلب، أو يتم إرسال الطلب بينما يحتاج المواطن لاحقًا إلى تدخل بشري لاستكمال الإجراء.
وهذه النوعية من المشكلات تكشف أن نجاح الحكومة الرقمية لا يقاس فقط بعدد الخدمات الموجودة على المنصة، وإنما بقدرة المواطن على إتمام الخدمة من بدايتها إلى نهايتها دون العودة إلى الإجراءات التقليدية.
الشهر العقاري.. هل اختفت الطوابير؟
الشهر العقاري يمثل نموذجًا آخر للتحول التدريجي في تقديم الخدمات، فقد شهدت خدمات التوثيق توسعًا في استخدام الوسائل الإلكترونية والحجز وتنظيم التعامل مع المواطنين، إلا أن وجود خدمة إلكترونية لا يعني بالضرورة أن رحلة المواطن أصبحت إلكترونية بالكامل.
وزارة العدل تتابع بصورة مستمرة أداء منظومة العمل ورصد المعوقات التي تواجه الخدمات الإلكترونية، وهو ما يعكس أن عملية التحول لا تزال تتطلب تدخلًا مستمرًا لمعالجة المشكلات التي تظهر أثناء التشغيل.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان هناك تطبيق أو منصة، وإنما: كم خطوة إلكترونية يحتاجها المواطن قبل أن يصل إلى الموظف؟.. فإذا بدأ المواطن معاملته عبر الإنترنت، ثم اضطر إلى طباعة مستندات والذهاب إلى مقر حكومي للحصول على توقيع أو تصحيح بيانات، فإن جزءًا من الرحلة التقليدية لا يزال قائمًا، حتى لو بدأت المعاملة من الهاتف.
المنصات الحكومية أمام اختبار «الضغط»
مشكلة أخرى تظهر بصورة متكررة مع الخدمات الإلكترونية تتمثل في قدرة الأنظمة على التعامل مع فترات الذروة، فالمنصة التي تعمل بصورة طبيعية عند وجود أعداد محدودة من المستخدمين قد تواجه ضغوطًا مختلفة عندما يدخل إليها مئات الآلاف في توقيت واحد.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في الخدمات التي ترتبط بمواعيد محددة، مثل التسجيل الإلكتروني، وتقديم الطلاب، واستمارات الامتحانات، وبعض الخدمات التي يكون لها موسم سنوي محدد.
وفي هذه الحالات، لا يكون السؤال فقط: هل المنصة تعمل؟ ولكن: هل تستطيع المنصة العمل بنفس الكفاءة عندما يستخدمها الجميع في الوقت نفسه؟ وهنا تتحول البنية التحتية وقدرة الخوادم والشبكات إلى عنصر أساسي في نجاح الخدمة الحكومية، وليس مجرد تفصيل تقني لا يهم المواطن.
المشكلة الأكبر.. أنظمة كثيرة وبيانات غير متصلة
أحد أهم تحديات الحكومة الرقمية هو التكامل بين الجهات، فالمواطن لا يتعامل مع وزارة واحدة فقط، وبياناته موزعة بطبيعتها بين مؤسسات متعددة، وعندما يحتاج إلى خدمة حكومية، يفترض أن تستطيع الأنظمة المختلفة الوصول إلى البيانات المطلوبة بصورة آمنة ودقيقة، بدلًا من مطالبة المواطن بإعادة تقديم المعلومات نفسها في كل مرة، لكن تحقيق هذا التكامل يحتاج إلى معايير موحدة للبيانات، وربط فني بين الأنظمة، وتحديد واضح لمسؤولية كل جهة عن البيانات، ولهذا فإن امتلاك كل مؤسسة لمنصة إلكترونية مستقلة لا يعني بالضرورة وجود حكومة رقمية متكاملة، لأنه ببساطة قد تكون كل منصة تعمل بشكل جيد منفردة، لكن المشكلة تظهر عندما يحتاج المواطن إلى خدمة تتطلب تفاعل أكثر من جهة.
الموظف.. الحلقة التي لا يمكن حذفها بضغطة زر
التحول الرقمي لا يلغي الموظف الحكومي، وإنما يغير طبيعة دوره، فبدلًا من التعامل مع الملف الورقي، يصبح الموظف مسؤولًا عن التعامل مع النظام الإلكتروني ومراجعة البيانات وحل المشكلات الفنية ومساعدة المواطنين في الحالات التي لا يستطيع النظام التعامل معها تلقائيًا، ولهذا فإن تدريب الموظفين يمثل جزءًا أساسيًا من نجاح أي مشروع رقمي.
وتجربة التأمينات، التي سبقت تشغيل المنظومة الجديدة بتدريب آلاف العاملين، توضح حجم الاعتماد على العنصر البشري حتى في أكثر المشروعات اعتمادًا على التكنولوجيا، لكن التدريب لا ينبغي أن يكون خطوة تسبق إطلاق النظام فقط، لأن تحديث المنظومة وتغيير الخدمات وإضافة وظائف جديدة يعني أن الموظف يحتاج إلى تدريب مستمر.
المواطن غير المتصل.. الوجه الآخر للتحول الرقمي
بينما يستطيع قطاع كبير من المواطنين التعامل بسهولة مع التطبيقات والمنصات الإلكترونية، لا يزال هناك مواطنون يواجهون صعوبة في استخدام الخدمات الرقمية، سواء بسبب السن أو ضعف الخبرة التكنولوجية أو محدودية الوصول إلى الإنترنت أو عدم امتلاك الأدوات اللازمة.
وهنا تظهر معادلة صعبة أمام الحكومة: كيف تتحول الخدمة إلى رقمية دون أن يتحول المواطن الأقل قدرة على استخدام التكنولوجيا إلى مواطن أقل قدرة على الحصول على الخدمة؟ ولهذا تظل مراكز الخدمة والمساعدة البشرية ضرورية خلال مراحل التحول، حتى لا تتحول الرقمنة من وسيلة لتسهيل الحصول على الخدمة إلى حاجز جديد أمام بعض الفئات.
عندما تتعطل المنظومة.. من يتحمل المسؤولية؟
من أكثر الأسئلة أهمية في الخدمات الرقمية مسألة المسؤولية عند حدوث الخطأ، ففي المعاملة التقليدية، يعرف المواطن الموظف أو المكتب الذي يمكنه الرجوع إليه، أما في الخدمة الرقمية، فقد يجد نفسه أمام رسالة خطأ على الشاشة دون أن يعرف هل المشكلة في بياناته، أم في المنصة، أم في الربط بين جهتين، أم في عملية الدفع.
وهنا تظهر الحاجة إلى آليات واضحة للتعامل مع الأعطال، وإبلاغ المواطن بسبب المشكلة، وتحديد الجهة المسؤولة عن حلها، وضمان عدم ضياع طلبه أو أمواله بسبب خطأ تقني.
الرقمنة لا تعني بالضرورة تبسيط الخدمة
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في ملف التحول الرقمي، فإذا كان المواطن يحتاج قبل الرقمنة إلى سبع خطوات لإنهاء الخدمة، ثم أصبح يحتاج إلى الخطوات السبع نفسها ولكن عبر موقع إلكتروني، فإن المؤسسة قامت برقمنة الإجراء، لكنها لم تقم بإصلاح الإجراء، لاسيما وأن التحول الحقيقي يبدأ من إعادة تصميم الخدمة، ثم تحويلها إلى خدمة رقمية.
أي أن السؤال لا يجب أن يكون: كم خدمة تم رقمنتها؟ بل: كم خطوة تم إلغاؤها؟ وكم مستندًا لم يعد المواطن مطالبًا بتقديمه؟ وكم مرة لم يعد مضطرًا لزيارة مقر حكومي؟ وكم دقيقة انخفضت من زمن إنجاز معاملته؟
من «رقمنة الورق» إلى إعادة بناء الخدمة
التحديات التي ظهرت في بعض المنظومات الحكومية لا تعني أن التحول الرقمي لم يحقق نتائج، لكنها تكشف أن الرقمنة مشروع طويل لا ينتهي بإطلاق منصة أو تطبيق، فنجاح المشروع يرتبط بقدرة الدولة على الجمع بين التكنولوجيا وتبسيط الإجراءات، وتنظيف قواعد البيانات، وربط الأنظمة، وتدريب الموظفين، وتوفير بنية تحتية قادرة على تحمل الضغط، وإتاحة الدعم للمواطن الذي يحتاج إليه.


















0 تعليق