نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كانت هنا… لكن من أخبر التاريخ؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 أكتوبر 2026 10:36 صباحاً
حين ذهبت للقاء الشيخة بدور القاسمي في بيت الحكمة في الشارقة، حملت معي كتبي وكتب أبي وأخي، وحملت لها كيسا من الزعتر.
فكرت قبلها: ماذا يمكن أن تهدي شاعرة مثلي لأميرة؟
خاتم ألماس مثلا؟
ضحكت من الفكرة. لا أملك خاتم ألماس أهديه، وأنا امرأة كادحة تعيش من الكتابة والكلام، وما أملكه حقاً لا يوضع عادة في علب المخمل. لذلك أخذت لها ما عندي: زعتر مطحون من أرض الجنوب، دقّته يدا أمي.
اليوم، بعدما قرأت كتابها "أخبروهم أنها هنا… بحثا عن ملكة مليحة"، أفكر أنني، من دون أن أعرف، حملت إليها شيئاً يشبه كتابها.
قليلاً من الأرض.
الأرض التي نأتي منها، ونمضي أعمارنا نظن أننا نملكها، ثم نكتشف أنها هي التي تملكنا. نحملها معنا في اللغة والطعام واللهجة ورائحة البيوت، وفي أسماء أمهاتنا وجداتنا، وفي تلك الأشياء الصغيرة التي نأخذها معنا حين نسافر، كأننا نخشى أن نبتعد كثيراً فننسى من أين أتينا.
كنت قد أرسلت إلى السيدة بدور القاسمي رسالة أطلب موعداً. ردت، وأعطتني الموعد ببساطة. التقينا في "بيت الحكمة" العظيم . كنت مع ابني آدم، أذكر أني جلست أمام امرأة لا تحتاج إلى أن تذكرك بمن تكون.
وهذه، ربما، إحدى العلامات السرية للثقة الحقيقية: أن صاحبها لا يضطر إلى استعراضها.
استمعتْ بمحبة ..
وما أندر الذين يعرفون كيف يستمعون حين تكون لديهم كل الأسباب التي تجعل الآخرين يستمعون إليهم.
استمعت إلى ثرثراتي وحكاياتي وأسئلتي. تحدثت مع آدم ابني، ووعدته أن تأخذه إلى رحلة في الصحراء. كان في حضورها ذلك النوع من الهدوء الذي لا يصنع مسافة، والبساطة التي لا تلغي الهيبة. خرجت من اللقاء وأنا أفكر أن بعض الناس يحتاجون إلى ألقابهم كي يكبروا، وبعضهم يجعل اللقب يبدو أصغر منه حين يطل.
كتاب أخبروهم أنها هنا… بحثا عن ملكة مليحة
ثم قرأت كتابها.
وفهمت أن المرأة التي قابلتها في بيت الحكمة تشبه، بطريقة ما، المرأة التي ذهبت تبحث عنها في الصحراء.
وربما نحن لا نبحث في التاريخ إلا عمن يشبه سؤالاً قديماً في داخلنا.
أغلقت كتاب بدور القاسمي، وبقي العنوان مفتوحاً:
"أخبروهم أنها هنا".
جملة قصيرة أربكتني أكثر من حكايات كثيرة في الكتاب.
توقفت عند "هم".
من هم الذين يجب إخبارهم؟
وتوقفت أكثر عند "هي".
من هذه المرأة التي تحتاج، بعد كل هذا الزمن، إلى شاهد يرفع يده ويقول: انتبهوا، إنها هنا؟
ثم تمعنت إلى شيء أكثر الكاتبة لم تكتب:
كانت هنا.
كتبت:
إنها هنا.
وهنا، في رأيي، يختبئ الكتاب كله.
فالتاريخ مولع بالفعل الماضي. كان ملك، وكانت مملكة، وعاش قوم وماتوا واندثروا. يأتي علماء الآثار بعد قرون، ينفضون التراب عن حجر أو نقش أو قطعة نقد، ويحاولون إعادة ترتيب الغياب.
أما الأدب فله وقاحة أخرى.
يستطيع أن يمد يده إلى امرأة ماتت منذ قرون ويقول لها:
انهضي قليلاً، ما زال عندنا كلام.
وهذا ما تفعله بدور القاسمي في كتابها.
تدخل مليحة باحثة عن ملكة، ثم تتورط في البحث عن نفسها.
وكلما حفرت في الأرض، انفتح فيها حفر آخر. فالرحلة التي تبدأ من أثر ونقش وعملة وأسئلة حول "أبييل" وملكات عبرن هذه الأرض، تتسع حتى يصعب الفصل بين ما هو تحت الرمل وما هو تحت الجلد. تتجاور مليحة مع الأم والجدة، والتاريخ مع الذاكرة، ويجلس علماء الآثار إلى جوار المتصوفة والشعراء، ويدخل المتنبي وأبو نواس وغارسيا لوركا إلى كتاب يفترض ظاهريا أنه يطارد امرأة قديمة في الصحراء.
يتنقل الكتاب بين السيرة والبحث والتأمل والأسطورة والتاريخ والحلم. يصعد إلى كليمنجارو ثم يعود إلى صحراء مليحة، يلاحق نقشا ثم ينشغل بسؤال روحي، ينظر إلى قطعة نقد ثم يصغي إلى همس امرأة.
وقد تكون هذه الفوضى أكثر ما يشبه الذاكرة نفسها.
فنحن لا نتذكر وفق فهرس.
لا نقول: الآن سأفتح باب الطفولة، ثم أغلقه، وبعد ثلاثين صفحة سأفكر في أمي، وبعد خمسين سأشتاق إلى ميت.
ذاكرتنا أكثر فوضى منا.
رائحة واحدة قد تعيد ميتا بكامل جسده. حجر قد يفتح طفولة. أغنية قد تهدم ثلاثين سنة. واسم امرأة لم نرها قط قد يجعلنا، لسبب مجهول، نشعر أننا نعرفها.
لهذا قرأت مليحة في الكتاب ذاكرة لها جغرافيا.
ولعل ما شدني في الكتاب أن بدور لا تكتب التاريخ ببرودة المؤرخ، ولا تسلم نفسها تماما لحرية الروائي. تظل واقفة في منطقة قلقة بين الاثنين؛ قدم في الوثيقة وقدم في المخيلة. لغتها تأملية، مشغولة بالإصغاء أكثر من الإعلان، وبالسؤال أكثر من الإجابة. تتعامل مع الحجر كأن له ذاكرة، ومع المكان كأنه كائن يعرف أكثر مما يقول.
لهذا لا تأتي مليحة خلفية للحكاية، وإنما تدخل في نسيج اللغة نفسها: الرمل والصمت والنقوش والنجوم والحيوانات والأحلام، كلها تتحول إلى أبجدية ثانية تحاول الكاتبة أن تقرأ بها ما عجز التاريخ عن قوله. وأحياناً تشعر أن بدور لا تكتب ما وجدته في مليحة، وإنما تكتب ما فعلته مليحة بها.

وثمة سؤال ظل يلاحقني:
كم امرأة عاشت على هذه الأرض ولم يصلنا منها شيء؟
لا اسم ولا وجه ولا جملة قالتها وهي غاضبة.
لا شيء عن الرجل الذي أحبته، أو الرجل الذي كرهته. عن طفل أنجبته. عن حرب خاضتها. عن خوف خبأته. عن صباح استيقظت فيه وقررت أنها لم تعد تريد الحياة التي اختارها الآخرون لها.
كم امرأة عاشت حياة كاملة ثم اختصرتها القرون إلى لا شيء؟
نعرف الملوك لأن أسماءهم نقشت. ونعرف المنتصرين لأن أحدا كتب انتصاراتهم. أما ملايين البشر الذين أحبوا وخافوا وخانوا وحلموا وأنجبوا وماتوا، فقد ابتلعهم التراب مرتين: مرة حين ماتوا، ومرة حين لم يكتبهم أحد.
والنساء يعرفن الموت الثاني جيداً.
من هنا صار بحث بدور عن ملكة مليحة، بالنسبة إلي، أكبر من سؤال عمّن حكم هذه الأرض، بل:
من يقرر من يستحق أن يتذكره التاريخ؟
في علم الآثار تكفي قطعة صغيرة لقلب حكاية كبيرة. عملة. اسم. قبر. نقش ناقص.
بضعة أحرف نجت، بمصادفة تكاد تكون معجزة، من آلاف الأيام والليالي والرمال والرياح والحروب والأقدام.
وفكرت كم يشبه ذلك ذاكرتنا العائلية.
نحن أيضاً نرث شظايا.
صورة امرأة لا نعرف عنها سوى أنها جدة جدتنا. خاتماً. فستاناً. وصفة طعام. اسماً يتكرر في العائلة ولا يعرف أحد لماذا. حكاية تقولها عجوز مئة مرة فنمل منها، ثم تموت، فنكتشف متأخرين أنها كانت آخر مكتبة حية لذلك البيت.
وحين تموت، يحترق معها أرشيف كامل لم يفكر أحد في نسخه.
هكذا ينتقل التاريخ الكبير والتاريخ الصغير بالطريقة نفسها تقريباً:
من فم إلى فم، ومن يد إلى يد، ومن نجاة إلى نجاة.
لهذا يبدو حضور الأم والجدة والأسلاف في رحلة بدور شديد الانسجام مع بحثها في مليحة.
امرأة وراء امرأة وراء امرأة.
نعود إلى الوراء، ننادي الأسماء واحداً واحداً، حتى نصل إلى امرأة لا نعرف اسمها.
ثم إلى أخرى.
ثم إلى الصمت.
وربما كان التاريخ، في جانب كبير منه، هو ذلك الصمت الذي يبدأ عندما نعجز عن تسمية أمهاتنا البعيدات.
لكن أجمل ما فعله الكتاب بي أنه جعلني أشك في كلمة "البحث" نفسها.
"بحثا عن ملكة مليحة".
ماذا لو كانت الملكة طوال الوقت في مكانها؟
ماذا لو أننا نحن الضائعون؟ هي لم تختف. نحن الذين فقدنا الطريق إليها.
وهنا يصبح العنوان أكثر قسوة.
"أخبروهم أنها هنا".
كأن امرأة من قاع التاريخ تضرب على جدار الزمن:
أنا هنا. مررت من هنا. كان لي جسد. وكان لي اسم وكان لي صوت.
وكانت لي حياة كاملة لا تصبح أقل حقيقة لأنكم لم تسجلوها.
هذه الـ"هنا" هي أكثر كلمة أحببتها في العنوان.
لأنها تهزم الزمن.
وتلغي، لثانية واحدة، المسافة بين الأحياء والموتى.
وتعيد تعريف الأثر.
فالأثر، بعد هذا الكتاب، لم يعد حجراً تركه الراحلون خلفهم.
الأثر هو قدرة الغائب على إزعاج الحاضر.
أن يموت الإنسان، ثم يبقى فيه ما يكفي من الحياة ليجبر شخصاً بعد ألفي عام على الانحناء فوق التراب والبحث عنه.
وهنا أفهم انجذاب بدور إلى الصوفية.
فالمتصوفة أيضاً لم يثقوا كثيراً بما تراه العين. الحقيقة عندهم طبقات، والطريق إلى الخارج يمر من الداخل، وما تبحث عنه في أقصى العالم قد يكون نائماً في أكثر الأمكنة قرباً منك.
لذلك تبدو رحلة الجبل والحلم والصحراء والنجوم والنقوش والأفاعي والخيل والصقور أجزاء من قاموس واحد. محاولات مختلفة لقراءة العالم.
فالمعرفة وحدها لا تكفي دائماً. هناك أشياء تحتاج إلى العلم، وأشياء تحتاج إلى الحدس. وأشياء لا تفتح بابها إلا للخيال.
وهنا أيضاً مخاطرة الكتاب. فالخيال يستطيع أن ينصف الذين أهملهم التاريخ، ويستطيع في اللحظة نفسها أن يمنحهم حياة ربما لم يعيشوها.
لذلك كنت، أثناء القراءة، أترك لعلماء الآثار سؤالهم: هل كانت هناك ملكة؟ ومن كانت؟
وأحتفظ لنفسي بسؤال وجدته أكثر إغراء:
لماذا نحتاج بشدة إلى أن تكون قد وجدت؟
ربما لأن حاضرنا يبحث دائماً في الماضي عن سلف يشبهه.
نبحث عن امرأة قوية كي نقول إن القوة لم تبدأ بنا.
عن شاعرة قديمة كي نشعر أن لأصواتنا جدات.
عن ملكة كي لا تبدو المرأة التي تحكم اليوم حادثة طارئة في التاريخ.
نبحث عن أسلاف لأحلامنا.
فالإنسان، على ما يبدو، لا يكفيه أن يعرف من أين جاء جسده.
يريد أيضا أن يعرف: من أين جاءت أفكاره؟
ولهذا، بعد الصفحة الأخيرة، لم تعد ملكة مليحة أكثر شخصيات الكتاب غموضا بالنسبة إلي.
صارت بدور نفسها كذلك.
المرأة الكاتبة التي تبحث عن الملكة امرأة تشغل بنفسها أكثر من موقع قيادي؛ فبدور القاسمي، إلى جانب رئاستها للجامعة الأميركية في الشارقة ورئاسة مجلس أمنائها، هي مؤسسة ورئيسة "مجموعة كلمات"، التي تعمل على نشر كتب الأطفال واليافعين وتعزيز القراءة باللغة العربية، كما ترأس "المجلس الإماراتي لكتب اليافعين"، وكانت أول امرأة عربية تُنتخب لرئاسة الاتحاد الدولي للناشرين. كأن امرأة تقف في مواقع متعددة من حاضرها، في التعليم والنشر والثقافة، تنظر إلى الخلف وتسأل: من هن النساء اللواتي وقفن هنا قبلنا ولم تصل أسماؤهن إلينا؟
التي خرجت تبحث عن ملكة قديمة، عادت محملة بأمها وجدتها وأسلافها وطفولتها وشعرائها وأسئلتها وخوفها وحكمتها.
وفي مكان ما من الرحلة اختلط موضوع الكتاب بكاتبته.
لم أعد أعرف تماماً عند أي نقطة توقفت بدور القاسمي عن التنقيب عن مليحة، وبدأت مليحة تنقب عنها.
وهذه، بالنسبة إلي، أجمل الرحلات.
أن نذهب إلى مكان وفي يدنا سؤال، ثم نكتشف، بعد مسافة طويلة، أن السؤال كان يحملنا نحن.
عدت بعدها إلى لقائنا الأول. إلى بيت الحكمة. إلى المرأة التي كانت تستمع إلي بهدوء وأنا أتكلم ، وإلى كيس الزعتر الذي حملته إليها بشيء من الخجل، متسائلة في سري ماذا تفعل هدية كهذه أمام أميرة.
بعد الكتاب، لم أعد أخجل منها.
بالعكس.
أعتقد الآن أنني، بالمصادفة، اخترت الهدية الصحيحة.
فأنا أيضاً جئت إليها من أرض بعيدة تحمل تاريخها ودمها وحروبها وأمهاتها وموتاها. ومن تلك الأرض أخذت أمي الزعتر، ونقّته، ودقّته بيديها، ووضعته في كيس، وحملته أنا من جنوب لبنان إلى الشارقة.












0 تعليق