فنانون عرب عاشوا المنفى.. حين تتحول المواقف السياسية إلى تذكرة سفر - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فنانون عرب عاشوا المنفى.. حين تتحول المواقف السياسية إلى تذكرة سفر - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 08:06 صباحاً

لم يكن المنفى في تاريخ الفن العربي يوماً مجرد عنوان جغرافي عابر، بل هو حالة إنسانية مركبة؛ تبدأ أحياناً بقرار سياسي صارم، وأحياناً بمنع من الظهور ومصادرة للعمل، وقد تصل إلى تهديد مباشر يطرق باب الفنان في عقر داره. وفي حالات أخرى، يختار المبدع المغادرة طوعاً حين تصبح البيئة الفنية والثقافية المحيطة به عاجزة تماماً عن استيعاب مشروعه.

في الأسابيع الأخيرة، عاد هذا الملف الشائك ليفتح صفحاته عبر ثلاثة أسماء عربية من زوايا متباينة: الفنانة أصالة نصري التي عادت إلى دمشق بعد غياب دام نحو 15 عاماً، الفنان هشام عبد الحميد الذي أعلن من كندا رغبته في العودة إلى مصر بعد اغتراب طويل؛ وأخيراً، المنشور المثير للجدل الذي كتبه شقيق كاظم الساهر، والذي أعاد طرح التساؤلات حول غياب "القيصر" عن العراق منذ عام 1998.

هذه القصص الثلاث لا تتطابق في تفاصيلها؛ فأصالة تبنت موقفاً سياسياً صريحاً مع الثورة السورية، وغابت طوال سنوات حكم الرئيس بشار الأسد، بينما يؤكد هشام عبد الحميد دعمه للدولة المصرية ورئيسها ويرفض الاعتذار عما لم يرتكبه. أما كاظم الساهر، فلا توجد رواية موثقة تختزل غيابه في سبب سياسي واحد، وهو ما دفع شقيقه حسين جبار للاعتراض على حصر القصة في بطش "عدي صدام حسين". من هنا، يمكننا قراءة خريطة أوسع لحكايات فنانين عرب في المنفى، غيّر الصدام مع السلطة، أو الحرب، مسارات حياتهم للأبد.

 

 

عمرو واكد (سوشيال ميديا)

عمرو واكد (سوشيال ميديا)


مصر.. المنفى الذي اتخذ أكثر من شكل

في المشهد المصري الحديث، يقدم النجمان عمرو واكد وخالد أبو النجا أوضح النماذج للفنانين الذين تحولت مواقفهم السياسية إلى أزمة مؤسساتية ومهنية. ففي آذار (مارس) من عام 2019، أصدرت نقابة المهن التمثيلية قراراً بإلغاء عضويتهما إثر مشاركتهما في فعالية بواشنطن، انتقدا خلالها تعديلات دستورية ترتبط بمدة بقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي في السلطة. وصفت النقابة الخطوة بـ "الخيانة العظمى"، في حين اعتبرتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير انتهاكاً لحرية الرأي. استقر واكد في الولايات المتحدة، وواصل أبو النجا نشاطه في الخارج، لتتحول قضيتهما إلى قطيعة تامة مع المؤسسة النقابية.

على الجانب الآخر، تقدم قصة هشام عبد الحميد نموذجاً أكثر راهنية. غادر مصر مع أسرته عام 2010 إلى كندا، ثم انتقل في 2016 إلى إسطنبول لتقديم برنامج فني وثقافي ارتبط بظهوره ضمن سجال سياسي واسع، قبل أن يعود إلى كندا عام 2022. وفي أيلول (سبتمبر) الجاري، أوضح عبد الحميد بأنه لا يزال في كندا يدرس خطوة العودة "محباً وعاشقاً"، معلناً دعمه الصريح للدولة المصرية والنظام والرئيس عبد الفتاح السيسي، ليقف اليوم عند عتبة العودة من دون أن يخطوها بعد.

وتأخذ القصة شكلاً أكثر قسوة في حالتي هشام عبد الله ومحمد شومان؛ حيث غادر الأول إلى تركيا عام 2015 مع زوجته غادة نجيب بعد تحوله لصوت معارض (ضمن تيار إسلامي)، وصدر بحقهما عام 2019 حكم غيابي بالسجن خمس سنوات بتهم تتعلق بالانضمام لجماعة إرهابية وإذاعة أخبار كاذبة. أما شومان، فغادر في العام ذاته (2015) إثر التحولات السياسية لما بعد 2013 ليواصل نشاطه من الخارج. هنا يصبح الغياب مرتبطاً بالملاحقة القضائية، لا مجرد اختيار مهني.

 

 

مكسيم خليل في سوريا (سوشيال ميديا)

مكسيم خليل في سوريا (سوشيال ميديا)


سوريا: جيل الثورة، اللجوء، والمنفى العكسي

تتصدر القائمة السورية المشهد كأوسع موجة خروج للفنانين العرب خلال العقود الأخيرة، إثر الحرب التي اندلعت عام 2011. أصالة نصري، الأكثر حضوراً اليوم، غابت لـ 15 عاماً بعد تأييدها للثورة، لتفاجئ الجميع مؤخراً بعودة سريعة عبر حفل في دمشق وُصف بأنه حمل الكثير من "البروباغندا". وتبرز المفارقة بين عودتها المتأخرة، وبين فنانين سابقوا الوقت للعودة بهدوء، والعمل في الداخل، مثل جمال سليمان، مكسيم خليل، وسامر المصري، وآخرين.

وتضم القائمة أسماء باشرت النضال من الداخل قبل أن تُقهر على السفر، مثل ريم علي وفارس الحلو، وكذلك يارا صبري وماهر صليبي اللذين انخرطا مبكراً في النشاط الإنساني لدعم المعتقلين، ووقعا عام 2011 على "بيان الحليب" لإغاثة أطفال درعا. وعقب تحذيرات أمنية، غادرا منتصف 2012 إلى الإمارات ثم استقرا في كندا. هذه الحالات تؤكد ضرورة التمييز بين من عاش "اللجوء" الحقيقي، ومن اختار الإقامة خارج سوريا لظروف "ضبابية".

وفي مفارقة لافتة، تقدم الفنانة سلاف فواخرجي نموذجاً لـ "المنفى العكسي". فبعد أن شكلت وجهاً بارزاً مؤيداً لنظام بشار الأسد، دفعها الانتقال المفاجئ لمراكز القوى وتصاعد الخطاب الإقصائي ضد الوجوه المحسوبة على السلطة السابقة إلى المغادرة باتجاه مصر. هذا الانتقال يعكس تحولاً جذرياً، إذ باتت الشخصيات التي مثلت "التيار السائد" تواجه ضغوطاً تجبرها على الاغتراب.

 

 

كاظم الساهر (سوشيال ميديا)

كاظم الساهر (سوشيال ميديا)


العراق: من فؤاد سالم إلى كاظم الساهر

يُعد الفنان الراحل فؤاد سالم نموذجاً صريحاً للمنفى السياسي في العراق. ولكونه قريباً من التيار اليساري والحزب الشيوعي العراقي، تعرض للاعتقال والمنع من الغناء، ليغادر عام 1977 إلى الكويت ثم إلى سوريا. عاد إلى العراق بعد 2003، لكن الظروف لم تسعفه للاستقرار، فعاد إلى سوريا ليتوفى بها عام 2013.

وفي السياق ذاته، أعاد منشور الباحث حسين جبار (حُذف لاحقاً تجنباً للتأويلات الطائفية والسياسية) فتح ملف غياب شقيقه كاظم الساهر منذ 1998. رفض جبار الرواية الشعبية التي تختزل مغادرة الساهر في ضغوط "عدي صدام حسين"، طارحاً تفسيراً أعمق يتعلق بانهيار البنية التحتية الثقافية في التسعينيات، وصعوبة الحصول على المعدات والاستوديوهات، مما جعل الساهر فناناً يبحث عن بيئة تحتضن تطوره، مبتعداً عن تعريف "المنفى السياسي" التقليدي.

 

محمد وردي (سوشيال ميديا)

محمد وردي (سوشيال ميديا)


السودان والجزائر: المنفى الأمازيغي و"سجون الإبداع"

عاش أسطورة الغناء السوداني محمد وردي منفى طويلاً لاتباعه التيار اليساري والحزب الشيوعي، فسُجن ومُنعت أغانيه. غادر السودان بعد انقلاب 1989 وتوزعت إقامته بين القاهرة ولوس أنجلوس، ولم يعد إلا في عام 2002 ليستمر في وطنه حتى وفاته عام 2012.

وفي الجزائر، يتخذ المنفى الأمازيغي طابعاً أكثر تعقيداً، بدءاً بسليمان عازم الذي اصطدم بالسلطة بعد استقلال 1962، ومُنع من البث ليعيش في فرنسا حتى وفاته عام 1983. أما لونيس ماتوب، المدافع الشرس عن الثقافة الأمازيغية، فقد أُصيب برصاص الدرك عام 1988، وخُطف عام 1994، ليُغتال عام 1998 رغم إصراره على العودة والغناء في بلده، مما يجعل قضيته جريمة "قمع واغتيال سياسي" تتجاوز فكرة المنفى، وصولاً إلى فرحات مهني، الذي بدأ فناناً لينتهي معارضاً سياسياً ورئيساً لحكومة القبائل المؤقتة في المنفى.

 

 

أحمد فكرون (فيسبوك)

أحمد فكرون (فيسبوك)


ليبيا والمغرب: التطويع وذاكرة سنوات الرصاص

في ليبيا، قاوم الفنان أحمد فكرون استدراج نظام معمر القذافي ومحاولات "شراء" موقفه الفني. ودفع الثمن خلال حرب 2011 حين داهمت كتائب النظام منزله في طرابلس وسرقت معداته الفنية، ليصبح أيقونة لرفض تطويع السلطة للفن.

أما في المغرب، فتبرز تجربة الفنان التشكيلي التطواني محمد الإدريسي، التي ارتبطت بمناخ "سنوات الرصاص". تعرض الإدريسي للاعتقال والضرب على يد الشرطة عام 1977 لدفاعه عن بائع متجول، ليغادر بعدها إلى باريس ويعيش فيها حتى وفاته عام 2003، مخلفاً فناً يجسد الاغتراب والقمع والعنف الرسمي.

 

من سيضطر غداً لحزم حقائبه؟


بين عودة أصالة الاحتفالية، وتلويح هشام عبد الحميد بالرجوع، وصمت كاظم الساهر الطويل عن أسباب غيابه، يتبين أن "المنفى الفني" ليس محطة نهائية بقواعد ثابتة، بل هو حالة من السيولة تخضع للتسويات، وتغير موازين القوى، وتبدل الأنظمة. لا توجد نهاية نموذجية واحدة لهذه القصص؛ فمنهم من يعود بشروط جديدة، ومنهم من يختار القطيعة التامة. سيبقى ملف الاغتراب الفني مفتوحاً، يطرح مع كل أزمة سياسية أسئلة لا تنتهي: من سيعود غداً إلى جمهوره؟ ومن سيضطر غداً لحزم حقائبه؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق