نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"قمرة" لملاك مكي… نصف ساعة تتّسع لحياة كاملة - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 08:52 صباحاً
"هي قصة حقيقية عن الخيال"، تكتب مكي عند عتبة الكتاب، وتهديه بكلمة واحدة: "إليكَ". كأن الصفحات كلّها مسافة تقطعها هذه الكلمة كي تبلغ مخاطَبها. وعلى امتداد ستين صفحة، تتجاور الفقرات السردية والأسطر الشعرية، وتتقدم الحكاية بما يتبدّل في إحساس المرأة باللقاء والغياب والانتظار. ويمنحها ضمير الغائب قرباً نسمع معه أدقّ ارتجافاتها، ومسافةً تتيح لنا أن نقرأ تجربتها من دون اختزالها في اعتراف شخصي لصاحبة الكتاب.
الجسد يحتفظ بما يمضي
"الكلمات لا تسكن في الرأس، بل في الجسد"، نقرأ في الصفحات الأولى. هذه العبارة تمنح النص مفتاحه الحسي. فاليدان والبشرة والشفاه تحفظ ما يعجز الكلام المباشر عن تسميته. تبدأ الحكاية من أثر اللقاء، من القشعريرة والوخز، كأن الجسد سبق صاحبته إلى معرفة ما حدث، وترك لها أن تبحث لاحقاً عن الكلمات.
غلاف الرواية
وتبلغ هذه الحساسية كثافتها حين يقول الرجل إنه التقاها لنصف ساعة ومضى، بينما تتلمس هي حضور يده على بشرتها. للقاء زمنان: زمن انتهى بانقضاء موعده، وزمن يستمر كلما استعادته الحواس. ومن التفاوت بينهما تنشأ مساحة الكتاب. نصف الساعة يتسع بالكتابة، ويصير السؤال عن بقاء الأثر أكثر إلحاحاً من السؤال عن مدة الحدث.
وفي الانتظار "تفرك الوقت بيديها"، ثم تتذوقه. هكذا تمنح مكي التجريد ملمساً وطعماً، وتسمح للحواس بأن تتبادل وظائفها. جمال الصورة نابع من قدرتها على تغيير إدراكنا للانتظار: نشعر بما يفعله في المرأة، وكيف يستقر في حركاتها الصغيرة، حتى يصبح انشغال اليدين تعبيراً عن تعذر الوصول.
غائب تصنع اللغة حضوره
يتكثف التباس العلاقة في عبارة: "هو ليس في خيالها/ هو خيالها". فالرجل يتجاوز موقع الشخص المستعاد، ويغدو متداخلاً مع قدرتها على ابتكار العالم. غير أن النص يترك شقاً في هذا الحضور؛ ففي موضع لافت، تقول الرواية إنه لا يجيبها، وربما نسي اسمها، بينما تقول المرأة إنه يلامسها ويشتهيها.
تنبع قوة هذا التجاور من امتناعه عن تقديم حقيقة مريحة ونهائية. ثمة صمت في جهة، وامتلاء حسي في جهة أخرى، والقارئ يتحرك بينهما. لا يسخر النص من يقين المرأة، لكنه لا يخفي المسافة التي تبني فوقها هذا اليقين. بذلك يحفظ للخيال جماله وهشاشته معاً، ويمنع الحكاية من الاكتفاء بطمأنينة عاطفية سهلة.
وتجد الكتابة صورتها الأصفى حين تجيب المرأة عن سبب كتابتها بأنها لم تجد من يمسك بيدها، "فحاولت أن تمسك بكلمة". الكلمة هنا فعل استناد، ومحاولة لمنح الوحدة حدوداً محتملة. وحين تصبح الكتابة سفراً للكلمات من يديها إلى يديه، تتضح رغبتها العميقة: أن يصل الإحساس إلى آخر، وألا يبقى الجسد المكان الوحيد الذي يحتفظ به.
الحرب تدخل الحكاية
مع الحرب الإسرائيلية على لبنان في أيلول 2024، يتغير ثقل الانتظار. يغدو التفكير في المحبوب مشوباً بالسؤال عن الحق في الرغبة بينما يموت الآخرون. وتكتسب التفاصيل الصغيرة، كموعد منتظر أو عشاء دافئ، قيمة مختلفة؛ إنها وحدات حياة تحاول الشخصية حمايتها من زمن يهدد بابتلاع كل شيء.
من أجمل ما يفتحه النص قوله إن الأشخاص لا يسكنون البيوت، "بل تسكن البيوت فيهم". فالفقد يطال المكان الداخلي أيضاً، ويكشف أن الاحتماء بالخيال متصل بالحاجة إلى مأوى. تتجاوب هنا صورة الجسد الذي يحتفظ بلمسة، وصورة الإنسان الذي يحمل بيته، كلاهما يؤوي ما يستطيع الخارج انتزاعه، ويمنحه استمراراً هشاً في الذاكرة.
إيقاع العودة وحدوده
تمنح الأفعال المتكررة، تفكر وتكتب وتتخيل وتنتظر، الكتاب إيقاعاً دائرياً يناسب امرأة تعود إلى اللحظة نفسها. ويتيح البياض بين المقاطع وقفات يتردد فيها أثر العبارة. لكن هذا التكرار يقترب أحياناً من إعادة المعنى أكثر مما يطوره، ولا سيما حين تصرح الجمل بقوة الخيال بعدما جعلتنا الصور نحسها بالفعل.
ولعل أجمل لحظات "قمرة" تلك التي تثق بالتفصيل، وتتركه يقول ما لا تحتاج العبارة إلى شرحه: يد تفرك الوقت، وصوت يصير ذراعين، ولقاء قصير يرفض الجسد أن ينهيه. في هذه المواضع تتقدم الشاعرة داخل الحكاية بخفة، وتمنح التجربة خصوصيتها بعيداً من الأحكام العامة عن الحب والنجاة.
في النهاية، "تعادل قسوة الحياة بخيال". يبقى الخارج مثقلاً بالحرب، وتترك المرأة في الداخل مكاناً للمسة لم تنتهِ بانتهاء اللقاء، ولكلمة تستطيع أن تمسك بها حين تخلو يدها. هناك تتركنا ملاك مكي، عند المسافة الصغيرة بين ما مضى وما بقي منه، حيث يحتفظ الجسد بدفء لا يقيسه الوقت. نغلق "قمرة"، ويبقى شيء من ذلك الدفء في اليد التي تقلّب الصفحة الأخيرة.












0 تعليق