وضع الشعوب على سكة الوهم! - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وضع الشعوب على سكة الوهم! - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 04:06 صباحاً

للأزمة في الشرق الأوسط وجوه متغيرة؛ من الحروب إلى تعطل التنمية. ولها جذور يجري تجنب الاقتراب منها. أحدها ما يمكن توصيفه "وضع الشعوب على سكة الوهم" بإقناعها أن حاضرها محكوم بمظلومية لا تنتهي، وأن خلاصها في اتباع من يتولى تضخيم تلك المظلومية.

 

أعرف أن مناقشة ما يحدث في العراق وإيران من هذه الزاوية قد تستدعي اتهامات جاهزة من البعض، ولكن السكوت يترك المجال مفتوحاً لمن يستثمر في جراح الناس، ويطلب منهم تأجيل حياتهم إلى إشعار آخر!

لنبدأ بالعراق. تعرض الشيعة فيه للتمييز والإقصاء، وهذه وقائع لا يصحّ إنكارها. وكان لعلمائهم وعشائرهم دور بارز في ثورة العشرين ضد الحكم البريطاني، بمشاركة قوى عراقية أخرى. ثم قامت الدولة الملكية باختلال واضح في توزيع النفوذ، لمصلحة نخب غلب عليها الانتماء السنّي. لكن اختصار تاريخ الدولة العراقية في غياب الشيعة الكامل عن السلطة يجافي الوقائع أيضاً؛ فقد تولى صالح جبر ومحمد فاضل الجمالي كمثال رئاسة الحكومة في العهد الملكي. مشاركتهما لا تلغي التمييز، لكنها تمنع تحويل التاريخ إلى لون واحد، أسود كالح.

تفاقمت أزمة الهوية في عهد البعث، رغم مشاركة بعض الشيعة في السلطة. وبلغت حد اقتلاع عراقيين من بيوتهم وإبعادهم إلى إيران بذريعة التبعية الإيرانية. وبعلوّ الصوت القومي، تعرضت عائلات شيعية، بينها أكراد فيليون، للتجريد من الجنسية والتهجير. ومن الإنصاف تذكّر أن الاستبداد نفسه بطش بمعارضيه من انتماءات مختلفة. تحميل السنّة جميعاً مسؤولية تلك الجرائم يمنح الطائفية ما تحتاجه: مذنباً بالولادة، وضحية بالوراثة، وصراعاً لا تنتهي حساباته.

بعد سقوط النظام عام 2003، كانت الفرصة متاحة لبناء مواطنة تتجاوز ذلك الإرث. لكن الاحتلال الأميركي، الذي لم يكن يعرف المجتمع العراقي، وبمشاركة بعض القوى السياسية العراقية، رسّخ التعامل مع المجتمع بوصفه حصصاً مذهبية وقومية. انتقلت المحاصصة من ترتيب لتمثيل المختلفين إلى قاعدة لتوزيع المناصب والموارد. واستقرت رئاسة الحكومة للشيعة عرفاً سياسياً، لا بنص دستوري يحصرها فيهم. هذا التفريق ضروري، لأن ما صنعته التفاهمات السياسية يمكن تغييره، مهما حاول المستفيدون تقديمه كأنه طبيعة العراق الأبدية. لذلك، فإن هذا الترتيب العرفي أفرز فساداً غير مسبوق، كما عرف الجميع في الفترة الأخيرة. لذلك من المهم تغيير هذا العرف، حتى لا يبقى عقبة أمام دولة عراقية ديموقراطية.

وصلت أحزاب بعد سقوط النظام تتحدث باسم المظلومين إلى الحكم، وتستدعي معارك الماضي، وكأنها حدثت أمس، فأبقت خطاب المظلومية مصدراً لسلطتها، يتصدى إلى أي محاولة لبناء دولة. صار السؤال عن الكهرباء والعمل والفساد يستدعي جواباً عن الماضي، وصار نقد المسؤول يوضع أحياناً في خانة استهداف الطائفة، واستفادت إيران (القومية) من هذا الترتيب؛ هنا يقع الوهم: إن وصول ابن المذهب إلى المنصب يعني وصول المواطن إلى حقه. يستطيع سياسي أن يشاركك المذهب ويحرمك الخدمات، ويختلف عنك آخر في المذهب ويحفظ لك حقوقك. معيار الحكم ما يفعله بالناس، لا الهوية المكتوبة في سيرته.

واستعانت قوى من هذه الأحزاب بإيران؛ بعضها تربطه بها علاقات سبقت سقوط البعث، ثم امتزجت أخوة المذهب بحسابات النفوذ، والسلاح بتضليل تاريخي اختفت فيه الدولة ليتقدم المذهب العابر للحدود؛ وهكذا تمت التضحية بالدولة. أما "الإطار التنسيقي" فتسميته الإجرائية لا تغيّر كونه تجمعاً لقوى شيعية سياسية، بينها اختلافات في المصالح والصلات بطهران، وهو لا يختصر شيعة العراق. يكفي تذكر احتجاجات تشرين 2019 في بغداد والجنوب، التي أطاحت بحكومة عادل عبد المهدي، وحرق أعلام إيران، لفهم أن عراقيين من البيئة الشيعية نفسها رفضوا المحاصصة والتدخل الخارجي. هؤلاء يريدون وطناً، ولا يحتاجون إلى وصي يشرح لهم هويتهم.

وفي إيران، تحتاج حكاية محمد مصدق إلى إعادة قراءة، لا تنتقي ما يناسب الخصومة. الدور الأميركي والبريطاني في انقلاب عام 1953 موثق بطريقة مبتسرة، ولا يستقيم القول إن واشنطن حاولت إسقاطه ولكنها فشلت وانتهى دورها. تصدع ائتلاف مصدق من داخله بعد استبعاد رجال الدين، وناصبه بعض كبار رجال الدين العداء، وعلى رأسهم أبو القاسم الكاشاني، وحرك ضد مصدق قوى في الشارع وفي الجيش؛ وهكذا نجح الانقلاب عليه. وعاد التاريخ من جديد، فعندما تبين للقوى الكبرى، خاصة أميركا، عدم ضبط طموح الشاه الإيراني، لعبت المخابرات دوراً مهماً في الدفع بالثورة الإسلامية إلى السطح. واليوم نرى القصة نفسها تتكرر. لا يهم العالم من يحكم إيران ولا كيف يحكم، بل يهمه أن لا يكون لإيران قدرة على التغول على جيرانها أو الإضرار بالمصالح الغربية. اليوم، تقول جمهورية إيران إنها مضاد لأميركا، وفي السابق كانت هي المستفيد من "إيران غيت"!

أرى أن نقد السردية الإيرانية يكون أكثر إقناعاً عندما نعترف بالتدخل الأجنبي في الحالتين، ثمّ نسأل عن المسؤوليات في التدخلات في الجوار، التي أطاحت بالشاه وتتكرر من جديد! النظام الإيراني نظام قومي في ثوب ديني، أول ما يزدري العرب (شيعة أكانوا أم سنّة)!

الوهم الإيراني يبدأ عندما تتحول واقعة تاريخية إلى حكم أبديّ على العلاقات الدولية، ويطلب من أجيال لم تعشها أن تدفع ثمنها بلا نهاية. فمن حق الإيراني أن يسأل حكومته عن معيشته وحريته، وعن كلفة خياراتها الإقليمية المدمرة، من دون أن يلقى محاضرة عن "الشيطان الأكبر" والأصغر التي نفاها الموقف الحوثي، ذراع إيران اليمني مؤخراً. ذاكرة الشعوب تستحق الاحترام، أما احتكار تفسيرها فيمنح السلطة حصانة لا تستحقها.

ومن الخطأ افتراض أن الشيعي العراقي تابع لإيران بحكم مذهبه، أو أن الإيراني شريك في كل قرار تتخذه سلطته. هذا الافتراض يكرر من الجهة المقابلة ما تفعله الأحزاب الطائفية. في البلدين مواطنون تختلف مصالحهم واجتهاداتهم، ويبحثون عن عيش آمن وتعليم جيد وفرصة عمل. عندما نحشرهم في هوية سياسية، نساعد من يدعي تمثيلهم على إغلاق باب الاختيار أمامهم، ونضعف الأصوات التي تطالب بحقها في تقرير مصيرها.

 

أمامنا مظالم حقيقية، وسلطات وأحزاب تجعل استمرار الشعور بها شرطاً لاستمرار نفوذها. في العراق يجري الخلط بين إنصاف الشيعة وتهميش الآخرين، وفي إيران بين الاستقلال ومواصلة العداء. الخروج من هذه السكة يبدأ باستعادة حق المواطن في سؤال الحاكم عما أنجزه اليوم. الماضي يفسر بعض الحاضر، لكنه إن بقي عقبة أمام فهم الحاضر ، خسر الجميع!

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق