نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
غريب يلاحق ظله - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 11:29 صباحاً
د. نواف القنطار
أدخل المقهى، متأخراً عن موعدي اليومي.
أجلس وحيداً... فلا أحد ينتظرني.
صوت الموسيقى الخافت ينساب عبر المكان...
حولي... وجوه ترشف قهوتها بهدوء خشية أن يهرب الوقت منها.
وعلى الجدار تتثاءب عقارب الساعة القديمة.
يجلس ظلي قبالتي، يتأملني كما يتأمل الغريب وجهاً يشبهه.
يقترب النادل متسائلاً:
ـ هل أحضر فنجاناً آخر؟
في المقهى، أي في أواخر العمر، أستكين للصمت، أستريح من ضجيج هزمته الحياة، بعدما صار الوقت كأساً مهشمة، كلما حاولت لملمتها نزف الدم منها قطرة... قطرة على أصابعي.
تعيدني الذاكرة إلى ظلي، بعدما ظننت أنني أجبت عن أسئلة الحياة كلها، ولم أعد أثق بالنهاية.
فأدرك أن الحياة لم تكن مكاناً أحاول الوصول إليه، بل درب ترابية، كلما اقتربت من نهايتها امتدت أكثر...
في المقهى...
هناك، أحاول ترتيب أفكاري، كما لو أن ذلك سوف يؤجل انكساري.
أحزم غيابي كل مساء، وأهمّ بالرحيل.
في المقهى، أي في المكان الذي أخاف البقاء فيه وحيداً، أنتظر نفسي... ذلك الغريب الذي تركته يوماً على الرصيف الآخر من العمر، ما زال، حتى الآن، يجلس في المقهى، يحدق في الباب...
وكلما دخل أحد ... ظنّ أنه أنا.
المقهى هادئ.
يتجه ظلي نحو الباب، يلتفت نحوي، كما لو أنه ينتظرني.
فأدرك أنني، طوال هذه السنوات، لم أكن أنتظر أحداً سواي.
الساعة ما زالت تتظاهر بأنها تقيس الوقت.
النادل، مثل النسيان، يمسح آثار الذين مروا من هنا.
الموسيقى تنتظر خروج آخر رواد المقهى...
يسبقني ظلي إلى الباب.
عندها أدرك أنني لم أكن أخاف الوحدة، أو الفراغ، أو حتى الغياب.
كنت أخشى الوصول إلى النهاية...










0 تعليق