فرنسيس الآسيزي، حين صار الفقر طريقا إلى المحبة - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فرنسيس الآسيزي، حين صار الفقر طريقا إلى المحبة - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 05:25 صباحاً

في كنيسة سان جوزيف بوسط القاهرة، لم يكن الاحتفال بعيد القديس فرنسيس الآسيزي مجرد مناسبة كنسية عابرة، بل فرصة لاستعادة سيرة رجل اختار، قبل نحو ثمانية قرون، أن يترك وراءه حياة الثراء والمجد، وأن يسير في طريق مختلف، عنوانه البساطة ومحبة الفقراء والسلام.

 

قصة القديس فرنسيس

احتفلت الرهبنة الفرنسيسكانية في القاهرة بعيد شفيعها، خلال قداس احتفالي ترأسه الأب فيليب فرج الله، الخادم الإقليمي للرهبنة الفرنسيسكانية بمصر، بمشاركة المطران جورج شيحان، رئيس أساقفة أبرشية القاهرة المارونية لمصر والسودان والزائر الرسولي على شمال إفريقيا، ورئيس الأساقفة نيقولاس هنري، السفير البابوي في مصر، إلى جانب عدد من مطارنة الإيبارشيات الكاثوليكية والكهنة والرهبان والراهبات وأبناء الرعايا.

لكن خلف الطقوس والترانيم، تبقى قصة فرنسيس نفسها هي الحكاية الأبرز.

ولد فرنسيس في مدينة أسيزي الإيطالية في أواخر القرن الثاني عشر، داخل أسرة ميسورة يعمل والده في تجارة الأقمشة. وكان الشاب فرنسيس في بدايات حياته يحب حياة الرفاهية، ويحلم بالفروسية والمجد، قبل أن تقوده سلسلة من التجارب إلى مراجعة حياته واكتشاف طريق آخر لم يكن يشبه أحلامه الأولى.

كان التحول تدريجيا. اقترب فرنسيس من الفقراء والمرضى، وتغيرت نظرته إلى المال والمكانة الاجتماعية، حتى اتخذ قرارا بالتخلي عن حياة الثراء واختيار حياة تقوم على الفقر الاختياري وخدمة المحتاجين.

وتروي سيرته أن لقاءه بالمصابين بالجذام كان من المحطات الفارقة في حياته. فبعد أن كان ينفر منهم، أصبح يقترب منهم ويخدمهم. ولم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد عمل خيري، وإنما تحول في نظرته إلى الإنسان نفسه، وإلى معنى المحبة التي لا تتوقف عند حدود الخوف أو الاختلاف.

ومن هنا بدأت تتشكل جماعته الأولى. التحق به عدد من الشبان الذين شاركوه اختياره، وبدأوا حياة بسيطة تقوم على الصلاة والعمل والتبشير وخدمة الناس، قبل أن تحصل جماعتهم على الاعتراف الكنسي، وتصبح نواة الرهبنة الفرنسيسكانية التي انتشرت لاحقا في أنحاء واسعة من العالم.

وكان الفقر بالنسبة إلى فرنسيس أكثر من التخلي عن المال. كان اختيارا لطريقة حياة أراد من خلالها أن يكون قريبا من البسطاء، وأن يجعل الرسالة المسيحية مرتبطة بالإنسان واحتياجاته اليومية، لا بالكلمات وحدها.

ومن أكثر صفحات سيرته حضورًا حتى اليوم رحلته إلى مصر عام 1219، في زمن كانت فيه المنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا خلال الحروب الصليبية. توجه فرنسيس إلى معسكر السلطان الكامل الأيوبي، والتقى به في محاولة للحوار وسط أجواء الحرب.

وبعيدا عن النتائج السياسية أو العسكرية التي أحاطت بذلك اللقاء، بقيت صورة الرجل الذي عبر خطوط الصراع بحثا عن الحوار واحدة من أبرز العلامات في سيرته، وأصبحت الزيارة بعد قرون رمزا يستشهد به عند الحديث عن الحوار بين أتباع الأديان ورفض اختزال الإنسان في خلافاته.

ولم تكن علاقته بالإنسان منفصلة عن علاقته بالطبيعة. فقد رأى في الخليقة كلها مجالا للتأمل والشكر، وترك «نشيد المخلوقات» الذي يعد من أشهر النصوص المنسوبة إليه، وفيه تظهر نظرته إلى الشمس والماء والأرض والنبات وسائر الكائنات باعتبارها أجزاء من خليقة واحدة.

هذه الروح جعلت اسم فرنسيس يتجاوز حدود الرهبنة التي أسسها. فمع مرور الوقت أصبح رمزا للبسطاء والفقراء والسلام ومحبة الطبيعة، وظلت سيرته حاضرة في النقاشات المتعلقة بالحوار والعناية بالبيئة وخدمة الإنسان.

وفي الاحتفال الذي شهدته القاهرة، ألقى الأب إيمانويل الدومينيكاني كلمة روحية تناول فيها حياة القديس فرنسيس وفضائله، في امتداد للتقليد الأخوي الذي يجمع بين الفرنسيسكان والدومينيكان.

كما شارك كورال سان جوزيف، بقيادة الأب بطرس دانيال والمايسترو مجدولين ميشيل، في تنشيط القداس بالتسابيح والترانيم الروحية، بمشاركة الإخوة الرهبان الدارسين.

وبينما كانت الترانيم تتردد داخل الكنيسة، عادت سيرة الرجل الذي عاش قبل قرون لتطرح سؤالا يبدو بسيطا لكنه ظل حاضرا في تجربته: ماذا يمكن أن يحدث عندما يتخلى الإنسان عن البحث عن القوة لنفسه، ويجعل حياته أقرب إلى الفقير والمهمش والمختلف؟

ربما كانت الإجابة التي تركها فرنسيس في حياته أكثر وضوحا من أي كلمات. فقد اختار أن يعيش ما آمن به، وأن يجعل من البساطة أسلوبا، ومن الفقر الاختياري حرية، ومن خدمة الآخرين طريقا، ومن السلام لغة للحوار.

ولهذا، بعد نحو ثمانية قرون على رحيله، لا يزال عيد القديس فرنسيس الآسيزي مناسبة تستعيد فيها الرهبنة الفرنسيسكانية شخصيته، بينما تظل قصته مفتوحة على معان تتجاوز زمنه ومكانه، وتعيد التذكير بأن بعض السير لا تبقى في الكتب، لأنها تجد طريقها إلى حياة الناس.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق