حين ينجح الإنسان في كلِّ شيء_ إلّا في أن يكون سعيداً - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين ينجح الإنسان في كلِّ شيء_ إلّا في أن يكون سعيداً - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 06:57 مساءً

نحن نعيش في زمنٍ يعرف كيف يقيس النجاح، لكنّه لا يعرف دائماً كيف يقيس الحياة.

راتبٌ أعلى، منصبٌ أكبر، بيتٌ أجمل، شهرةٌ أوسع، شهاداتٌ أكثر، وسيّارةٌ أفخم؛ مؤشّراتٌ واضحة نستطيع أن نضعها في جدول، ونقارن بها أنفسنا بالآخرين. أمّا السّعادة، فلا شهادة تُعلّق على جدارها، ولا لقب يُضاف قبل اسمها، ولا رقمٌ في الحساب المصرفيّ يضمن وجودها.

ولهذا تبدو العبارة المنسوبة إلى Bertrand Russell لافتةً في معناها: «إنّ الأشخاص الناجحين ليسوا بالضّرورة سعداء، ولكنّ الأشخاص السّعداء هم بالضّرورة ناجحون».

ولعلّ أهمّ ما فيها أنّها تعيد تعريف النّجاح نفسه.

فنحن اعتدنا أن ننظر إلى النّجاح بوصفه وصولاً، أن تصل إلى الوظيفة التي أردتها، أو المكانة التي حلمت بها، أو الثّروة التي سعيت إليها. لكنّ المشكلة أنّ الإنسان قد يصل إلى كلّ ذلك، ثمّ يكتشف أنّه ترك نفسه في مكانٍ ما على الطّريق.

قد يربح المعركة، ويخسر السّكينة.

قد يكسب إعجاب النّاس، ولا يستطيع أن يجلس ساعةً واحدةً بسلامٍ مع نفسه.

وقد يمتلك من الأشياء ما كان يظنّ أنّه سيجعله سعيداً، ثمّ يكتشف أنّ امتلاك الأشياء شيءٌ، والشّعور بالاكتفاء شيءٌ آخر تماماً.

وهنا تكمن المفارقة: ليس كلّ من وصل ناجحاً، لأنّ بعض الوصول هروبٌ مُتقن.

هناك من يعمل بلا توقّف لأنّه يخشى الفراغ، ومن يلاحق الألقاب لأنّه يحتاج إلى اعتراف الآخرين، ومن يجمع المال لأنّه لم يعرف بعد كيف يشعر بالأمان من داخله. ظاهريّاً، تبدو هذه كلّها قصص نجاح، لكنّ النّجاح الذي يحتاج إلى تصفيقٍ دائم كي يبقى حيّاً، نجاحٌ شديد الهشاشة.

في المقابل، السّعادة الحقيقيّة لا تعني أن يعيش الإنسان بلا طموح، ولا أن يرضى بالكسل أو يعتزل المنافسة. تلك قراءةٌ ساذجة للفكرة. السّعيد قد يكون شديد الطّموح، كثير العمل، كبير الأحلام، لكنّه لا يجعل قيمته رهينةً بما يحقّقه.

هو يعرف أنّ العمل جزءٌ من حياته، وليس حياته كلّها.

يعرف أنّ خسارة صفقةٍ لا تعني خسارة نفسه، وأنّ تأخّر منصبٍ لا ينتقص من قدره، وأنّ رأي النّاس فيه ليس المحكمة الأخيرة التي يُحاكم فيها وجوده.

السّعادة، بهذا المعنى، ليست نقيض الطّموح، بل البوصلة التي تمنع الطّموح من أن يتحوّل إلى عبوديّة.

والمفارقة الأجمل أنّ الإنسان حين يتصالح مع نفسه يصبح (غالباً) أقدر على النّجاح أيضاً، لأنّه يتّخذ قراراته من موقع الاختيار، لا من موقع الخوف. يعمل لأنّه يريد أن يبني، لا لأنّه يريد أن يثبت. ينافس ليصبح أفضل، لا ليُشعر الآخرين بأنّه أفضل منهم. ويعرف متى يستمرّ، ومتى يتوقّف، ومتى يقول: هذا يكفيني.

وهذه الكلمة الأخيرة، «يكفيني»، قد تكون من أصعب الكلمات التي يتعلّمها الإنسان في هذا العصر.

فالاقتصاد يريدك أن تريد المزيد، والإعلانات تريدك أن تشعر بالنّقص، ومنصّات التّواصل تريدك أن تقارن كواليس حياتك بواجهة حياة الآخرين. وفي خضمّ ذلك كلّه، يصبح الرّضا فعلاً من أفعال المقاومة.

ليس المطلوب أن نتوقّف عن السّعي، بل أن نسأل أنفسنا بين حينٍ وآخر: إلى أين نسعى؟ ولماذا؟ وماذا نخسر ونحن نربح؟

فليس الفشل أن تصل متأخّراً، ولا أن تغيّر طريقك، ولا أن تتراجع عن حلمٍ اكتشفت أنّه لا يشبهك.

الفشل الحقيقيّ أن تقضي سنواتك تصعد سلّماً طويلاً، ثمّ تصل إلى قمّته لتكتشف أنّه كان مُسنَداً إلى الجدار الخطأ.

وفي نهاية الأمر، قد لا يكون أنجح النّاس من امتلك أكثر، ولا من صعد أعلى، بل من استطاع أن ينظر إلى حياته (بكلّ ما فيها من نقصٍ ومكاسب وخسارات) ويقول بهدوء:

هذه الحياة تشبهني وأنا_رغم كلّ شيء_ راضٍ عنها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق