الواقع المرير في النفس - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الواقع المرير في النفس - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 أكتوبر 2026 09:56 صباحاً

 ريمون مرهج


الحياة كما تراها أنت ليست موجودة، وكما تودها أنت ليست واقعاً، إلا إن قررت أن تحيا وحيداً بعيداً عن بيئتك وضجيج مجتمعك. ما تحلم به وأنت في زمن الطفولة لا يتحقق إلا جزء يسير منه بعد مثابرة وتحد كبيرين على مر السنين.
‏إن كنت تحيا وسط عالم فيه من التقاليد والأعراف والقوانين التي وُضعت على قياس متسلطين قدماء ليسوسوا الناس من الطبقة العادية حسب مخططاتهم وأهوائهم، بل وجعلوها مقدسة مبجلة كي لا يمسها أي إنسان طموح محق يود العدالة والحق والحقيقة. 
‏هذا هو واقع الحال حتى في مجتمعك الضيق بين أقربائك وعائلتك، تشعر بالغربة إن كانت أفكارك وأراؤك بعيدة عنهم. تُجبر مكرهاً مرغماً على السكوت أحياناً إن كنت مسالماً ولا تود الضجيج والمهاترات، ولكن تنفجر غضباً عندما ينفد صبرك وتولد مشاكل ونفور في ما بينكم، فتُنبذ وتغدو ممقوتاً حتى تُوصف بالمختل أحياناً. 
‏هي الحياة هكذا فليست كما كنت ترسمها وأنت طفل وتلونها على الورق، ليست تلك اللوحة التي خربشتها بأصابعك: بيت، شجرة، عصافير وأزهار. ليست الصور البريئة في خيالك ولا نظراتك نحو النجوم المضيئة في الليل أو رؤية الشمس عند الغروب وهي تغرق خلف البحار. ليست تلك الرأفة والأحاسيس الطيبة تجاه طفل متشرد من جيلك يتسكع في الشارع حافي القدمين مبللاً بمياه الأمطار، أو شيخاً في ثياب رثة يشحذ رغيف خبز على قارعة الطريق، فتتحرك في أعماقك مشاعر الغضب والثورة على الظلم، ولكن حينما غدوت شاباً خفتت تلك الأحاسيس وإنكسرت فيك العزيمة بسبب حواجز فولاذية من أراء البشر ومصاعب جمة مادية ونفسية واجهتها في مجتمع أهله لم يعد فيهم الرحمة ولا يؤمنون بالإنسانية بل بالشجع المادي فقط.  والأمور تتجه نحو الأسوأ على صعيد الإنسان في زمن تطور الذكاء الاصطناعي الخارق، ستنتهي كل القيم وسيغدو البشر بلا قيمة ولا أهمية لفكرهم وإبداعهم ومشاعرهم. 
‏أمر واحد لا يستطيع العالم أجمع محوه من فؤادك وفكرك وبه تحمي روحك وتحافظ على مبادئك على الأقل، ولو لم تستطع إنجاز ما توده على الأرض يكفي أن تصون ذاتك وكيانك، أمر لا يهزمه أحد وباق إلى الأبد، ألا وهو التواصل مع أبيك السماوي، صلاتك إليه ومحادثك معه، فهو سيحضنك بين ذراعيه ويحرسك من كل غوغاء وضوضاء، هذا العالم الذي يحملك على ضياع نفسك وعلى خسارة الإنسان فيك. 
‏ثق بربك وبذاتك وثابر دون تردد مهما أصابتك سهام اليأس وأبقي في قلبك عالمك الخاص الذي به تمرح مع طفولتك، تتعلم وتغامر مع ريعان شبابك وتنثر المحبة، الثقافة والحكمة في زمن شيخوختك. إن أنجزت هذه الأمور تكون قد حققت بعضاً من أحلامك والحياة التي  تمنيت أن تحيا بها. 
‏
‏
‏
‏

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق