نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
متاهات أصحاب المعاشات! - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 02:09 مساءً
حين يتحدث النائب الدكتور رضا عبد السلام عن ضرورة إعادة النظر في منظومة المعاشات «من فوق لتحت ومن تحت لفوق»، فهو لا يتحدث عن مجرد زيادة سنوية في قيمة المعاش، وإنما يفتح ملفًا أكبر: أموال التأمينات والمعاشات نفسها.. كم تبلغ؟ وأين ذهبت؟ وكيف أُديرت؟ وما العائد الذي حققته؟ ومتى يحصل أصحابها على كامل حقوقهم؟
هذه هي نقطة البداية التي لا ينبغي أن تضيع وسط الجدل حول نسبة الزيادة كل عام. فالمعاش ليس منحة من الخزانة العامة، ولا إعانة اجتماعية، وإنما حق تأميني تكوّن عبر سنوات طويلة من العمل، اقتُطعت خلالها اشتراكات من أجور العاملين على أساس أن يجدوا في نهاية الطريق موردًا يحفظ لهم حياة كريمة عندما يتوقفون عن العمل.
وقد شهدت العقود الماضية تشابكات مالية كبيرة بين الخزانة العامة وأموال التأمينات، وأثيرت بشأنها أرقام وتقديرات متعددة، قبل أن تبدأ الدولة في تسوية جانب من هذه التشابكات وفق جداول زمنية طويلة. وينص القانون الحالي على سداد الخزانة أقساطًا سنوية للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، بما في ذلك نحو 238.5 مليار جنيه في العام المالي 2025/ 2026.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يكون في قلب النقاش العام: هل يكفي أن نعرف قيمة القسط الذي تدفعه الدولة، أم أن حق أصحاب المعاشات يقتضي أن يعرفوا أيضًا الصورة الكاملة لأموال التأمينات وأصولها واستثماراتها وعوائدها والتزاماتها؟
صحيح أن الدولة رفعت المعاشات بنسبة 15% اعتبارًا من يوليو 2026، وهو إجراء مهم لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، لكن الزيادة تظل علاجًا دوريًا لأثر الأزمة، وليست بالضرورة إصلاحًا لجذرها. فالمشكلة ليست فقط في كم سيحصل صاحب المعاش؟، وإنما في كيف تُدار المنظومة التي يفترض أن تضمن له هذا الحق؟.
من هنا تبدو الحاجة إلى كشف مالي شفاف ومحدث لأموال التأمينات، يوضح حجم الأصول والاستثمارات والعوائد والالتزامات، مع فصل واضح بين أموال المؤمن عليهم وأموال الموازنة العامة، وإدارة استثمارية متخصصة لا تخضع لتقلبات القرارات قصيرة الأجل، ورقابة حقيقية تضمن ألا يتحول المال التأميني إلى مورد يسد فجوات أخرى ثم يُعاد إلى أصحابه على مدى عقود.
وليس المقصود أن نبحث عن نموذج أجنبي ننسخه كما هو، لكن التجارب الناجحة تستحق أن نتعلم منها. ففي النرويج، يقوم صندوق المعاشات الحكومي العالمي على فلسفة واضحة: تحويل عائدات النفط إلى أصول مالية واستثمارات طويلة الأجل لمصلحة الأجيال الحالية والمقبلة، مع تنويع واسع للاستثمارات وإدارة مؤسسية مستقلة نسبيًا. وقد أصبحت أصول الصندوق من أكبر الصناديق السيادية في العالم.
الفارق الحقيقي هنا ليس في النفط ولا في حجم الأموال، وإنما في فلسفة إدارة المال: أن يُنظر إلى الموارد باعتبارها أمانة للأجيال، وأن يُستثمر جزء منها بدل استهلاكه، وأن تكون هناك قواعد واضحة لمعرفة ما يدخل وما يخرج وما يحقق من عائد.
فلماذا لا يكون لأموال المعاشات المصرية إطار استثماري أكثر قوة ووضوحًا، يمكن أن يتطور إلى صندوق معاشات مصري مستقل في إدارته الاستثمارية، خاضع للرقابة والشفافية، يحافظ على أصل الأموال وينمي عوائدها، مع ضمان عدم استخدامه لتمويل العجز الجاري أو سد ثقوب الموازنة؟
إنها ليست مسألة حسابات فقط؛ إنها مسألة كرامة. الرجل أو المرأة اللذان أمضيا ثلاثين أو أربعين عامًا في العمل، ودفعا اشتراكاتهما شهرًا بعد شهر، لا ينبغي أن ينظرا إلى المعاش باعتباره فضلًا من أحد. قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا»، وقال سبحانه: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ». وفي الحديث الشريف: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
ومن هنا يمكن أن تبدأ خارطة الإصلاح: أولًا، إعلان الحساب الكامل لأموال التأمينات وأصولها واستثماراتها والتزاماتها. ثانيًا، مراجعة مستقلة ودورية للمركز المالي والاكتواري للمنظومة. ثالثًا، وضع إطار قانوني يحمي أموال التأمينات من الاستخدام خارج غرضها. رابعًا، إنشاء ذراع استثمارية وطنية متخصصة لإدارة هذه الأموال وفق قواعد استثمار آمنة ومتنوعة.
خامسًا، وضع آلية أكثر عدالة لحماية القوة الشرائية للمعاش أمام التضخم. وسادسًا، مراجعة ما إذا كانت جداول رد الالتزامات التاريخية تتناسب فعلًا مع احتياجات أصحاب المعاشات، أم أن هناك حاجة إلى حلول أسرع وأكثر عدالة.
الأهم من كل ذلك أن يشعر صاحب المعاش أنه شريك في هذه المنظومة، وأن يعرف أين ذهبت أمواله، وكيف استُثمرت، وما العائد الذي حققته، وما حقوقه كاملة. فالدولة التي تطلب من مواطنيها أن يعملوا ويدفعوا الضرائب والاشتراكات ويشاركوا في بناء اقتصادها، مطالبة في المقابل بأن تجعل سنوات الشيخوخة امتدادًا كريمًا لسنوات العطاء.
المعاش ليس آخر صفحة في دفتر الموظف أو العامل.. بل هو ثمرة عمر كامل. وإذا كانت الدولة تعمل اليوم على تصحيح أخطاء وتراكمات ماضية، فإن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكتفي بتسوية الأرقام، وإنما يجب أن يعيد إلى أصحاب المعاشات إحساسهم بأن ما دفعوه طوال العمر كان محفوظًا، وأن الدولة لا تنظر إليهم باعتبارهم عبئًا على الموازنة، بل باعتبارهم أصحاب حق وأصحاب فضل.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا أمام البرلمان والحكومة والمجتمع: هل نريد منظومة معاشات تعالج العجز كل عام.. أم منظومة تحفظ أموال الناس وتنميها وتضمن لهم حياة كريمة عندما تنتهي سنوات العمل؟ الفرق بين النموذجين هو الفرق بين إدارة أزمة.. وبناء مستقبل.











0 تعليق